فهرس الكتاب
فإن من الناس من يسجد للشمس وغيرها من الكواكب، ويدعوها بأنواع الأدعية، وهذا من أعظم أسباب الشرك الذي ضل به كثير ممن ينتسب إلى الإسلام. وصنّف بعض المشهورين فيه كتابًا على مذهب المشركين مثل أبي معشر البلخي وثابت بن قرة وأمثالهم ممن دخل في الشرك وآمن بالطاغوت والجبت وهم ينتسبون إلى الكتاب. انتهى كلام الشيخ.
فانظر رحمك الله إلى هذا الإمام الذي ينسب عنه من أزاغ الله قلبه عدم تكفير المعين، كيف ذكر مثل الفخر الرازي وهو من أكابر أئمة الشافعية، ومثل أبي معشر وهو من أكابر المشهورين من المصنفين وغيرهم، أنهم كفروا وارتدوا عن الإسلام، والفخر هو الذي ذكره الشيخ في الرد على المتكلمين لما ذكر تصنيفه الذي ذكر هنا، قال: وهذه ردة صريحة باتفاق أئمة المسلمين، وسيأتي كلامه بعد.
وتأمل أيضًا ما ذكره في اللات والعزى ومناة، وجعله فعل المشركين معها هو بعينه الذي يفعل بدمشق وغيرها. وتأمل قوله على حديث ذات أنواط، هذا في قوله في مجرد مشابهتهم في اتخاذ شجرة، فكيف بما هو أطمّ من ذلك من الشرك بعينه؟ فهل الزائغ بعد متعلق بشيء من كلام الإمام؟
وأنا أذكر لفظه الذي احتج به على زيغهم، قال رحمه الله:"أنا من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير أو تبديع أو تفسيق أو معصية، إلا إذا علم أنه قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى وعاصيًا أخرى". انتهى كلام الشيخ.
وهذا صفة كلامه في المسألة في كل موضع وقفنا عليه من كلامه لا يذكر عدم تكفير المعين إلا ويصله بما يزيل الإشكال أن المراد بالتوقف عن تكفيره قبل أن تبلغه الحجة، وأما إذا بلغته حكم عليه بما تقتضيه تلك المسألة من تكفير أو تفسيق أو معصية، وصرح رضي الله عنه أن كلامه في غير المسائل الظاهرة.
فتأمل هذا وتأمل ما فيه من تفصيل الشبهة التي يذكر أعداء الله، لكن من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا.
على أن الذي نعتقده وندين الله به ونرجو أن يثبتنا عليه أنه لو غلط هو أو أجل منه في هذه المسألة، وهي مسألة المسلم إذا أشرك بالله بعد بلوغ الحجة، أو المسلم الذي يفصل هذا على الموحدين أو يزعم أنه على حق، أو غير ذلك من الكفر الصريح الظاهر الذي بينه الله ورسوله وبينه علماء الأمة، إنا نؤمن بما جاءنا عن الله ورسوله من تكفيره ولو غلط من غلط. فكيف والحمد لله ونحن لا نعلم عن واحد من العلماء خلافًا في المسألة. وإنما يلجأ من شاق فيها إلى حجة فرعون (فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى) أو حجة قريش (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ) .هـ.
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نفس الرسالة: (وقال أبو العباس أيضًا، في الكلام على كفر مانعي الزكاة. والصحابة لم يقولوا: هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها؛ هذا لم يعهد عن الخلفاء والصحابة. بل قال الصديق لعمر رضي الله عنهما:"والله لو منعوني عقالًا -أو عناقًا- كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه". فجعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب.
وقد روي أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم جميعهم سيرة واحدة، وهي قتل مقاتليهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم والشهادة على قتلاهم بالنار، وسموهم جميعًا أهل الردة.
وكان من أعظم فضائل الصديق رضي الله عنه أن ثبته الله عند قتالهم، ولم يتوقف كما توقف غيره، فناظرهم حتى رجعوا إلى قوله.
وأما قتال المقرين بنبوة مسيلمة فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم. انتهى كلام الشيخ.