فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 294

فتأمل رحمك الله في تكفير المعين والشهادة عليه إذا قتل بالنار، وسبي حريمه وأولاده عند منع الزكاة. فهذا الذي ينسب عنه أعداء الدين عدم تكفير المعين.

قال رحمه الله بعد ذلك: وكفر هؤلاء وإدخالهم في أهل الردة قد ثبت باتفاق الصحابة المستند إلى نصوص الكتاب والسنة. انتهى كلامه.

وقال ابن القيم في"إغاثة اللهفان"في إنكار تعظيم القبور: وقد آل الأمر بهؤلاء المشركين أن صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابًا سماه"مناسك المشاهد"ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام ودخول في دين عبادة الأصنام. انتهى كلامه.

وهذا الذي ذكره ابن القيم رجل من المصنفين يقال له ابن المفيد، فقد رأيت ما فيه بعينه. فكيف ينكر تكفير المعين؟!

وأما كلام سائر أتباع الأئمة في التكفير، فنذكر منه قليلًا من كثير.

أما كلام الحنفية، فكلامهم في هذا من أغلظ الكلام، حتى إنهم يكفرون المعين إذا قال: مصيحف أو مسيجد أو صلى صلاة بغير وضوء.

وقال أبو العباس رحمه الله: حدثني ابن الخضيري عن والده الشيخ الخضيري إمام الحنفية في زمانه قال: كان فقهاء بخارى يقولون ابن سينا كان كافرًا ذكيًا، فهذا إمام الحنفية في زمنه حكى عن فقهاء بخارى جملة كفر ابن سينا، وهو رجل معين مصنف يتظاهر بالإسلام.

وأما كلام المالكية: فهو أكثر من أن يحصى، وقد اشتهر عن فقهائهم سرعة الفتوى والقضاء بقتل الرجل عند الكلمة التي لا يفطن لها أكثر الناس.

وقد ذكر القاضي عياض في آخر كتاب"الشفا"من ذلك طرفًا، ومما ذكر أن من حلف بغير الله على وجه التعظيم كفر، وكل هذا دون ما نحن فيه بكثير.

وأما كلام الشافعية: فقال صاحب الروضة: إن المسلم إذا ذبح للنبي صلى الله عليه وسلم كفر.

وقال أيضًا: من شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر، وكل هذا دون ما نحن فيه، وقد صنف ابن حجر كتابًا مستقلًا سماه (الإعلام بقواطع الإسلام) ذكر فيه أنواعًا كثيرة من الأقوال والأفعال، كل واحد منها ذكر أنه يخرج من الإسلام ويكفر به المعين.

فمن أحسن ما يزيل الإشكال فيها ويزيد المؤمن يقينًا، ما جرى من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والعلماء بعدهم فيمن انتسب إلى الإسلام.

كما ذكر أنه صلى الله عليه وسلم بعث البراء ومعه الراية إلى رجل تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله؛ ومثل همه بغزو بني المصطلق لما قيل إنهم منعوا الزكاة.

ومثل قتال الصديق وأصحابه لمانعي الزكاة وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم وتسميتهم مرتدين، ومثل إجماع الصحابة في زمن عمر على تكفير قدامة بن مظعون وأصحابه إن لم يتوبوا عن تأويلهم لشرب الخمر بأنها حلال لبعض الخواص. ومثل إجماع الصحابة في زمن عثمان على تكفير أهل المسجد الذين ذكروا كلمة في نبوة مسيلمة مع إنهم لم يتبعوه، وإنما اختلف الصحابة في قبول توبتهم.

ومثل تحريق علي رضي الله عنه أصحابه لما غلوا فيه، ومثل إجماع التابعين مع بقية الصحابة على كفر المختار ابن أبي عبيد ومن اتبعه، مع أنه يدعي أنه يطالب بدم الحسين وأهل البيت؛ ومثل إجماع التابعين ومن بعدهم على قتل الجعد بن درهم وهو مشهور بالعلم والدين .. وهلم جرًا من وقائع لا تعد ولا تحصى ا. هـ.

ويقول الشيخ أبو بطين موضحًا أقوال الإمام ابن تيمية في نفس الموضوع: فقول الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى: إن التكفير والقتل موقوف على بلوغ الحجة، يدل كلامه على أن هذين الأمرين -وهما التكفير والقتل- ليسا موقوفين على فهم الحجة مطلقًا بل على بلوغها، ففهمها شيء وبلوغها شيء آخر، فلو كان هذا الحكم موقوفًا على فهم الحجة، لم نكفر ونقتل إلا من علمنا أنه معاند خاصة، وهذا بين البطلان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت