فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 294

بل آخر كلامه رحمه الله يدل على أنه يعتبر فهم الحجة في الأمور التي يخفى على كثير من الناس، ولبس فيها مناقضة للتوحيد والرسالة، كالجهل ببعض الصفات.

وأما الأمور التي هي مناقضة للتوحيد والإيمان بالرسالة فقد صرح رحمه الله تعالى في مواضع كثيرة بكفر أصحابها وقتلهم بعد الاستتابة، ولم يعذرهم بالجهل مع أنا نتحقق أن سبب وقوعهم في تلك الأمور إنما هو الجهل بحقيقتها، فلو علموا انها كفر تخرج عن الإسلام لم يفعلوها، وهذا في كلام الشيخ رحمه الله تعالى كثير ا. هـ.

ويقول أبو بطين: (وكلامه رحمه الله -يقصد ابن تيمية- في مثل هذا كثير، فلم يخص التكفير بالمعاند مع القطع بأن أكثر هؤلاء جهال لم يعلموا أن ما قالوه أو فعلوه كفر، لم يعذروا بالجهل في مثل هذه الأشياء، لأن منها ما هو مناقض للتوحيد الذي هو أعظم الواجبات، ومنها ما هو متضمن معارضة الرسالة ورد نصوص الكتاب والسنة الظاهرة المجمع عليها بين علماء السلف. وقد نص السلف والأئمة على تكفير أناس بأقوال صدرت منهم مع العلم أنهم غير معاندين .. ) إلى أن يقول ( .. وذكروا في باب حكم المرتد أشياء كثيرة -أقوالًا وأفعالًا- يكون صاحبها مرتدًا، ولم يقيدوا الحكم بالمعاند) ا. هـ.

ويقول أيضًا: (فانظر إلى تفريقه بين المقالات الخفية والأمور الظاهرة فقال في المقالات الخفية التي هي كفر: قد يقال إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، ولم يقل ذلك في الأمور الظاهرة، فكلامه ظاهر في الفرق بين الأمور الظاهرة والخفية، فيكفي بالأمور الظاهر حكمها مطلقًا، وبما يصدر منها من مسلم جهلًا .. ) ا. هـ.

ويقول الشيخ أبو بطين: (فالأمر الذي دل الكتاب والسنة وإجماع العلماء عليه أنه كفر مثل الشرك بعبادة غير الله سبحانه، فمن ارتكب شيئًا من هذا النوع أو حسنه فهذا لا شك في كفره، ولا بأس بمن تحققت منه شيئًا من ذلك أن تقول كفر فلان بهذا الفعل) ا. هـ.

ويقول أيضًا: يبين هذا أن الفقهاء يذكرون في باب حكم المرتد أشياء كثيرة يصير بها المسلم مرتدًا كافرًا، ويستفتحون هذا الباب بقولهم: من أشرك بالله كفر وحكمه أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، والاستتابة إنما تكون مع معين .. ) ا. هـ.

ويقول: ( .. وأعظم أنواع الكفر الشرك بعبادة غير الله، وهو كفر بإجماع المسلمين، ولا مانع من تكفير من اتصف بذلك، كما أن من زنى قيل فلان زان، ومن رابى قيل فلان مراب، والله أعلم) ا. هـ.

وخلاصة الأمر:

*إن تكفير المعين إنما يكون في أمور التوحيد أي أصل الدين، لأن أحكام الدنيا تجري على ظاهر الأمر، فكل من تلبس بكفر أكبر ينقل عن الملة، فهو كافر بعينه في ظاهر أمره. فإذا ما توقف البعض عن إطلاق اسم الكفر عليه، فلاعتبارات واقعية معينة أملتها ضرورات الظروف المحيطة بالدعوة في مراحلة خاصة؛ وليس كموقف فقهي يعتقده الداعية ويتبناه؛ وإلا فهو يعطل حدود الله ويخالف حكمه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

*إن التوقف عن تكفير المعين ابتداء إنما يكون في الأمور التي يلزم فيها شيوع العلم بأحكام الرسالة المحمدية، فلا يصح إلا بعد إقامة الحجة -في حالة عدم وجود مظنة العلم- فإن أنكر بعد ذلك كفر بعينه.

* إن التوقف عن تكفير المعين مطلقًا؛ والقول بأن جنس من فعل كذا فهو كافر ولكن المعين إن فعله فلا نستطيع تكفيره، ما هو إلا لغو لا معنى له وإبطال للأحكام الشرعية، وبدعة مخالفة لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجماع الصحابة والتابعين وعلماء الأمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت