فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 294

وبعد ..

فنحن وإن كنا ندعو إلى دين الله، إلا أننا ندعو إليه"على بصيرة".

قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) .

وإن ضرورة"إجراء الحكم"على كل ما يستحقه إنما هي ضرورة شرعية وضرورة واقعية لا محيد عنها، بل إن ضرورتها الشرعية لترتبط بضرورتها الواقعية ارتباطًا شديدًا في مجال الدعوة إلى دين الله.

فإنه إلى حانب أن إقامة الحدود سواء على المرتدين أو العصاة المذنبين، هي من شريعة الله التي لا يجوز أن تعطل بأي وجه من الوجوه، فإن من أهداف الشريعة كذلك تمييز الخبيث من الطيب، بل إن القرآن الكريم قد ذخرت آياته بأوصاف المؤمنين والكافرين والمنافقين، لكي يعرف المؤمن هؤلاء فيكون منهم ومعهم، ويتقي أولئك فيفارقهم ويكون عليهم.

قال تعالى: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) .

يقول الإمام الطبري: (ما كان الله ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن منكم بالمنافق، فلا يعرف هذا من هذا، حتى يميز الخبيث من الطيب، يعني بذلك حتى يميز الخبيث وهو المنافق المستسر بالكفر من الطيب وهو المؤمن المخلص الصادق الإيمان بالمحن والاختبار) ا. هـ.

وقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) .

يقول الإمام ابن كثير: ( .. ولهذا نبه الله سبحانه على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم. ومن اعتقاد إيمانهم وهم كفار في نفس الوقت، وهذا من المحظورات الكبار أن يظن بأهل الفجور خير) ا. هـ.

وأي خير ينسب إلى أهل الفجور والكفر أكبر من نسبتهم إلى دين الله؟ وأي محظور وفساد أعظم من اختلاطهم بالمؤمنين وإفساد دينهم عليهم والتشبيه لهم وتمويه الحق عليهم؟ وأي عصر ألزم من عصرنا هذا في المعرفة المستبصرة المميزة للخبيث من الطيب، خاصة في مجال الدعوة إلى الله.

إن هذا التمييز بين أهل الحق وأهل الباطل هو مفرق الطريق الذي لا معدى عنه؛ ولا فائدة من المماحكة عنده ولا الجدال. إما الإسلام وإما جاهلية، وإما إيمان وإما كفر، إما توحيد وإما شرك.

إن هذه القضية يجب أن تكون واضحة وحاسمة في ضمير المسلم، وألا يتردد في تطبيقها على واقع الناس في زمانه، والتسليم بمقتضى هذه الحقيقة، ونتيجة هذا التطبيق على الأعداء والأصدقاء!

وما لم يحسم ضمير المسلم في هذه القضية، فلن يستقيم له ميزان، ولن يتضح له منهج، ولن يفرق في ضميره بين الحق والباطل، ولن يخطو خطوة واحدة في الطريق الصحيح.

وإذا جاز أن تبقى هذه القضية غامضة أو مائعة في نفوس الجماهير من الناس، فما يجوز أن تبقى غامضة ولا مائعة في نفوس من يريدون أن يكونوا دعاة لهذا الدين، وأن يحققوا لأنفسهم هذا الوصف العظيم.

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذا هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب.

اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

وصل اللهم على رسولك الأمين وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت