فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 294

(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، وْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ، كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) .

هذه الآيات بدء سياق جديد في شؤون البشر عامة المتعلقة بهداية الله لهم بما أودع في فطرتهم وركب في عقولهم من الاستعداد للإيمان به وتوحيده وشكره، في أثر بيان هدايته لهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب في قصة بني إسرائيل، فالمناسبة بين هذا وما قبله ظاهرة ولذلك عطف عليه عطف جملة على جملة، أو سياق على سياق. قال تعالى:

(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) الظهور جمع ظهر وهو العمود الفقري لهيكل الإنسان الذي هو قوام بنيته، ومركز النخاع الشوكي الذي عليه مدار حياته، فيصح أن يعبر به عن جملة وجوده الجسدي الحيواني، والذرية سلالة الإنسان من الذكور والإناث. قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب (ذرياتهم) بالجمع والباقون بالإفراد ومعناها واحد، فإن المفرد المضاف يفيد العموم، ورسمها في المصحف الإمام واحد، وقوله: (مِنْ ظُهُورِهِمْ) بدل من بني آدم بمعناه والجمهور على أنه يدل البعض من الكل، وهو الظاهر إذا لم يرد بهذا البعض ذلك الكل، وقال أبو البقاء هو بدل اشتمال.

والمعنى واذكر أيها الرسول في إثر ذكر ميثاق الوحي على بني إسرائيل خاصة، ما أخذه الله من ميثاق الفطرة والعقل على البشر عامة، إذا استخرج من بني آدم ذريتهم بطنًا بعد بطن، فخلقهم على فطرة الإسلام، وأودع في أنفسهم غريزة الإيمان، وجعل من مدارك عقولهم الضرورية أن كل فعل لا بد له من فاعل، وكل حادث لا بد له من محدث، وأن فوق كل العوالم الممكنة القائمة على سنة الأسباب والمسببات، والعلل والمعلومات، سلطانًا أعلى على جميع الكائنات، وهو الأول والآخر، هو المستحق للعبادة وحده -وقد بسطنا هذه المسألة- وهذا معنى قوله تعالى: (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) أي أشهد كل واحد من هذه الذرية المتسلسلة على نفسه بما أودعه في غريزته واستعداد عقله قائلًا قول إرادة وتكوين، لا قول وحي وتلقين، ألست بربكم؟ فقالوا كذلك بلغة الاستعداد ولسان الحال، لا بلسان المقال: بلى أنت ربنا والمستحق وحده لعبادتنا. فهو من قبيل قوله تعالى بعد ذكر خلق السماء: (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) وهذا النوع من التعبير والبيان يسمى في عرف علماء البلاغة بالتمثيل، وهو أعلى أساليب البلاغة وشواهده في القرآن وكلام البلغاء كثيرة.

بيّن سبحانه سبب هذا الإشهاد وعلته فقال:

(أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) أي فعلنا هذا منا لاعتذاركم أو احتجاجكم يوم القيامة بأن تقولوا إذا أنتم أشركتم فقال إنا كنا غافلين عن هذا التوحيد للربوبية وما يستلزمه من توحيد الألوهية بعبادة الرب وحده، والمراد أنه تعالى لا يقبل منهم الاعتذار بالجهل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت