فهرس الكتاب
وأخرج ابن المنذر عن الأعرج أنه قرأ (ولا تسأل عن أصحاب الجحيم) أي أنت يا محمد كذا في الدر المنثور. وفي تفسير العماد بن كثير قال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليت شعري ما فعل أبوي ليت شعري ما فعل أبوي، ليت شعري ما فعل أبوي"ثلاث مرات، فنزل: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) فما ذكرهما حتى توفاه الله وهذا يؤيد ما قدمناه، فتدبر وتأمل. ورواه ابن جرير عن كريب عن وكيع عن موسى بن عبيدة به مثله وذكر الحديث الآخر بسنده كما تقدم، ثم قال ابن كثير: وقد رد ابن جرير هذا القول المروي عن محمد بن كعب وغيره في ذلك لاستحالة الشك من الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر أبويه واختار القراءة الأولى يعني النفي، قال: وهذا الذي يسلكه ها هنا فيه نظر لاحتمال أن هذا كان في حال استفساره لأبويه قبل أن يعلم أمرهما، فلما علم ذلك تبرأ منهما وأخبر عنهما أنهما من أهل النار، ولهذا أشباه كثيرة ونظائر ولا يلزم ما ذكرها ابن جرير انتهى كلام ابن كثير.
وقال محيي السنة في تفسيره معالم التنزيل: قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم:"ليت شعري ما فعل أبويّ"فنزلت هذه الآية -أقول وهذا النقل من ابن عباس حبر الأمة كاف في الحجة لا سيما وهو من أهل بيت النبوة ولو كان هناك تردد في القضية لما ذكر مثل هذه القصة المستلزمة للقضية، وكذا نقل الواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وهذا على قراءة من قرأ (ولا تسأل عن أصحاب الجحيم) . وقال البيضاوي: قرأ نافع ويعقوب ولا تسأل على أنه نهي للرسول صلى الله عليه وسلم من السؤال عن حال أبويه انتهى.
والحاصل أن عامة المفسرين كالمجمعين على أن هذا سبب نزول الآية، ومن المقرر في علم الأصول أن نقل الصحابي في سبب النزول ولو كان موقوفًا فهو في حكم المرفوع الموصول فكيف وقد ثبت رفعه بطرق متعددة وأسانيد مختلفة؟ هذا وقد قال من أئمة التفسير صاحب التيسير لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين كان يذكر عقوبات للكفار فقام رجل فقال: يا رسول الله أين والدي: فقال"في النار"، فحزن الرجل، فقال عليه السلام:"إن والدك ووالدي ووالد إبراهيم في النار"، فنزل قوله تعالى: (وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ) فلم يسألوا بعد ذلك وهو كقوله تعالى: (لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) انتهى، وفيه تنبيه على أن قراءة النفي أيضًا تدل على المدعي فتبين ما ذكره العلماء من المفسرين والقراء من أن الأصل في القراءتين أن يتفق حالهما ويجتمع مآلهما، ثم تفطن لما في الحديث من تصريح ذكر والد إبراهيم في هذا المقام الفخيم.
ما جاء في السنة
وأما السنة فما رواه مسلم عن أنس أن رجلًا قال يا رسول الله أين أبي؟ فقال:"في النار"، فلما قفّى دعاه فقال:"إن أبي وأباك في النار"، وكذا ما رواه البزار من أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأمه فضرب جبرائيل صدره وقال لا تستغفر لمن مات مشركًا، وكذا ما رواه الحاكم في مستدركه وصححه أنه صلى الله عليه وسلم قال لابني مليكة:"أمكما في النار"فشق عليهما فدعاهما فقال:"إن أمي مع أمكما"وتعقب الذهبي له بكون عثمان بن عمير ضعفه الدارقطني لم يخرجه عن كونه ثابتًا حسنًا قابلًا للاستدلال، أما على الاستقلال وأما مع غيره لتقوية الحال.