فهرس الكتاب
وكذا ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أين أمي؟ قال:"أمك في النار"، قلت: فأين من مضى من أهلك؟ قال:"أما ترضى أن تكون أمك مع أمي"؟ وكذا ما روى ابن جرير عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى رسم قبر قجلس إليه فجعل بخاطب ثم قام مستعبرًا، فقلنا: يا رسول الله إنا رأينا ما صنعت، قال:"إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي"، فما رؤى باكيًا أكثر من يومئذ. وسيأتي سبب بكائه صلى الله عليه وسلم منصوصًا عن بعض العلماء والله أعلم.
وكذا حديث مسلم وأبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم استأذن في الاستغفار لأمه فلم يؤذن له. وأما القول بأنه استأذنه ثانيًا وأذن له فيحتاج إلى دليل صريح ونقل صحيح، ثم لا ينافي الحديث الأول ما ورد من طريق آخر ولم يذكر فيه أن بي وأباك في النار، بل قال إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار فإنه يفيد التعميم والأول يدل على التخصيص فذكره أولًا تسلية له وثانيًا لئلا يتقيد الحكم بالمذكور بل يعم من هو بالكفر مشهور كما يدل عليها رواية ابن ماجه من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سالم عن أبيه فقال:"جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أبي كان يصل الرحم وكان وكان، فأين هو؟ قال"في النار"فكأنه وحد من ذلك فقال: يا رسول الله فأين أبوك؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حيث ما مررت بقبر مشرك فبشره بالنار"قال: فأسلم الأعرابي بعد وقال: لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبًا ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار."
وفي هذا التعميم دلالة واضحة وإشارة لائحة، بأن أهل الجاهلية كلهم كفار، إلا ما خص منهم بالإخبار عن النبي المختار صلى الله عليه وسلم.
ومما ثبت في الكتاب والسنة ما أخرجه ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجالًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار ويصل الأرحام ويفك العاني ويوفي بالذمم، أفلا نستغفر لهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه"، فأنزل الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) -الآية، ثم عذر الله إبراهيم عليه السلام فقال: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ) إلى قوله: (تَبَرَّأَ مِنْهُ) وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أُوحي إلى كلمات قد دخلن في أذني ووقرن في قلبي، أمرت أن لا أستغفر لمن مات مشركًا، ومن أعطى فضل ماله فهو خير له، ومن أمسك فهو شرًا له، ولا يلوم الله على كفاف"وتأويل السيوطي أن المراد بأبيه عمه أبو طالب وبأبي إبراهيم عمه آزر في غاية من السقوط، فتدبر. وسيأتي زيادة الكلام للرد عليه بالوجه الأوفر.
وأخرج ابن جرير عن طريق عطية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) -الآية، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأمه فنهاه الله عن ذلك قال: فإن إبراهيم عليه السلام قد استغفر لأبيه فنزل: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ) قال السيوطي هذا الأثر ضعيف معلول فإن عطيه ضعيف وهو مخالف لرواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس السابقة تلك أصح وعلي ثقة جليل.