فهرس الكتاب
قلت: عطية مختلف فيه ولو سلم أنه ضعيف قيتقوى بانضمام غيره إليه، ثم لا مخالفة بين الروايتين لإمكان الجمع بين القضيتين بتعدد الواقعة في الحالتين، وقد نقله الحافظ عماد الدين في تفسيره عن العوفي عن ابن عباس وسكت عليه وهذا دليل ثبوته عنده.
وقد أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا إلى المقابر فاتبعناه فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلًا ثم بكا فبكينا لبكائه، ثم قام إليه عمر فدعاه ثم دعانا فقال:"ما أبكاكم"؟ قلنا: بكينا لبكائك، قال:"إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة وأني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي وأني استأذنت ربي الاستغفار لها فلم يأذن لي"وأنزل علي الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى) فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرأفة فذاك الذي أبكاني. وكذا ذكره الواحدي في أسباب نزوله بإسناده عنه مثله ورواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه كما ذكره القسطلاني، قال القاضي عياض: وبكاؤه عليه السلام على ما فاتها من إدراك أيامه والإيمان به.
وأخرج ابن مردويه عن بريدة رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ وقف على عسفان فنظر يمينًا وشمالًا فأبصر قبر أمه آمنة فورد الماء فتوضأ ثم صلى ركعتين فلم يفجأنا إلا ببكائه فبكينا لبكائه ثم قام فصلى ركعتين ودعا، فلم يفجئنا إلا وقد علا بكاؤه فعلا بكاؤنا لبكائه ثم انصرف إلينا فقال:"الذي أبكاكم"؟ قالوا: بكيتا فبكينا يا رسول الله، قال:"وما ظننتم"؟ قالوا: ظننا أن العذاب نازل علينا بما نعمل، قال:"لم يكن من ذلك شيء"؟ قالوا: فظننا أن أمتك قد كلفت من الأعمال ما لا يطيقون فرحمتها، قال:"لم يكن من ذلك شيء"ولكن مررت بقبر آمنة أمي فصليت ركعتين ثم استأذنت أن استغفر لها فنهيت فبكيت ثم عدت فصليت ركعتين فاستأذنت ربي أن أستغفر لها فزجرت زجرًا فعلا بكائي، ثم دعا براحلته فركبها فما سار إلا هنية حتى قامت أي وقفت الناقة لثقل الوحي فأنزل الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) الآيتين.
رفع اثنتين من أربعة
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غزوة تبوك اعتمر فلما هبط من ثنية عسفان أمر الصحابة أن يستندوا إلى العقبة حتى أرجع إليكم فذهب فنزل على قبر آمنة فناجى ربه طويلًا ثم إنه بكى فاشتد بكاؤه فبكى هؤلاء لبكائه فقالوا: نا بكى نبي الله هذا البكاء إلا وقد حدث في أمته شيء لم تطقه، فلما بكى هؤلاء قام فرجع إليهم فقال:"ما يبكيكم"؟ قالوا: يا نبي الله ما هذا البكاء إلا وقد حدث في أمتك شيء لم تطقه، قال:"وقد كان بعضه ولكنني نزلت على قبر أمي فدعوت الله ليأذن لي في شفاعتها بوم القيامة فأبى أن يأذن لي فرحمتها وهي أمي فدعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربعًا فرفع عنهم اثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين، دعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض وأن لا يلبسهم شيعًا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض وأبى أن يرفع عنهم القتل والهرج والمرج."