فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 294

وإنما عدل إلى قبر أمه لأنها كانت مدفونة تحت (كدى) وكانت عسفان لهم وبها ولد النبي صلى الله عليه وسلم أي على قول، وقد أخرج العماد بن كثير هذا الحديث بسند الطبراني المتصل إلى ابن عباس مع تغيير قليل وزاد في آخره ثم جاءني جبريل فقال: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ) فتبرأ من أمك كما تبرأ إبراهيم من أبيه فرحمها وهي أمي ودعوت ربي"إلى آخره."

وأخرج ابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه عن أبي مسعود رضي الله عنه قال جاء ابنا مليكة وهما من الأنصار فقالا يا رسول الله إن أمنا كانت تحفظ على البعل وتكرم على الضيف وقد وأدت في الجاهلية فأين أمنا؟ قال:"أمكما في النار"فقاما وقد شق ذلك عليهما فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعا فقال:"ألا أن أمي مع أمكما في النار".

وأخرج ابن سعد عن الكلبي وأبي بكر بن قيس الجعفي نحوه.

وفي المعالم قال أبو هريرة وبريدة رضي الله عنهما: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى قبر أمه آمنة فوقف عليه حتى حميت الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها فنزلت: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) ثم ذكر إسناده المتصل إلى مسلم بن الحجاج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، فاستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت"."

ما جاء في الإجماع

وأما الإجماع فقد اتفق السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وسائر المجتهدين على ذلك من غير إظهار خلاف لما هنالك والخلاف من اللاحق لما يقدح في الإجماع السابق سواء من جنس المخالف أو صنف المرافق، والعجب من الشيخ جلال الدين السيوطي مع إحاطته بهذه الآثار التي كادت أن تكون متواترة في الأخبار أنه عدل عن متابعة هذه الحجة وموافقة سائر الأئمة وتبع جماعة من العلماء المتأخرين وأورد أدلة واهية في نظر الفضلاء المعتبرين منها: أن الله سبحانه أحيا له أبويه حتى آمنا به مستدلًا بما أخرجه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ والخطيب البغدادي في السابق واللاحق والدارقطني وابن عساكر كلاهما في غرائب مالك بسند ضعيف عن عائشة رضي الله عنها قالت: حج بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فمر بي على عقبة الحجون وهو باك حزين مغتم فنزل فمكث عني طويلًا ثم عاد إلي وهو فرح مبتسم فقلت له فقال لي:"ذهبت لقبر أمي فسألت الله أن يحييها فآمنت بي وردها الله عز وجل"وهذا الحديث ضعيف باتفاق المحدثين كما اعترف به السيوطي، وقال بن كثير أنه منكرًا جدًا ورواته مجهولون فقول الشيخ ابن حجر المكي في شرح الهمزية هو حديث صحيح صححه غير واحد من الحفاظ مردود عليه بل كذب صريح وعيب قبيح مسقط للعدالة وموهن للرواية لأن السيوطي مع جلالته وكمال إحاطته ومبالغته في رسائل متعددة من تصانيفه ذكر الاتفاق على ضعف هذا الحديث، فلو كان له طريق واحد صحيح لذكره في معرض الترجيح، ومن المعلوم أن بعده لم يحدث به غير واحد من المحدثين الذين يصح كونهم من المصححين ومن ادعى فعليه البيان في معرض الميدان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت