فهرس الكتاب
ومنها قول السيوطي إنهما ماتا قبل البعثة وإنهما كانا من أصحاب الفترة وهذا كما لا يخفى معارضته بما ثبت في الكتاب والسنة ومناقضته لما صرح بإشراكهما فيما سبق من صاحب النبوة فيما ذكره من تطويل للبحث وتكثير الأدلة غير مفيد له في هذه القضية مع ظهور التناقض في كلامه لتحصيل مرامه، فإنهما لو كانا من أهل الفترة لما احتاجا إلى الإحياء والإيمان بالنبوة بناء على أنهما من أهل النجاة في الفطرة، ثم هذه المسألة فيها خلاف المعتزلة وأكثر أكابر أهل السنة حتى قال بعض المحققين لا يوجد صاحب الفترة إلا من ولد في مفازة خالية عن سماع بعثة صاحب النبوة بالكلية على خلاف في أنه هل هو مكلف بالعقل توحيد الرب وشكر نعمته ووجوب النظر في صنعته أم لا ومما يتفرع عليه ما ذكره البغوي في التهذيب، أما من لم تبلغه الدعوة فلا يجوز قتله، قبل أن يدعى إلى الإسلام فإن قتل قبل أن يدعى إلى الإسلام وجب في قتله الدية والكفارة وعند أبي حنيفة لا يجب الضمان بقتله وقال الغزالي في البسيطة: من لم تبلغه الدعوة يضمن بالدية والكفارة لا بالقصاص على الصحيح لأن ليس مسلمًا على التحقيق وإنما هو في معنى المسلم. قال ابن الرفعة في الكفاية: لأنه مولود على الفطرة ولم يظهر منه عناد، انتهى.
ولا يخفى ما فيه من الدلالة على أن أهل الفترة هو الذي يكون على أصل الفطرة من التوحيد ولم يظهر منه الكفر ما ينافي التفريد كما يدل عليه قوله تعالى: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) وكما ورد في حديث:"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"الحديث، وفيه دليل على أن كل مولود في حالة عقله وكمال حاله إذا خلي هو من طبعه اختار التوحيد لله في الذات والتفريد له في الصفات كما يدل عليه قضية الميثاق الذي وقع عليه الاتفاق على ما هو مقرر في محله لا يليق به، ولهذا قال الإمام فخر الدين: من مات مشركًا فهو في النار وإن مات قبل البعثة لأن المشركين كانوا قد غيروا الحنيفية دين إبراهيم واستبدلوا بها الشرك وارتكبوه وليس معهم حجة ولم يزل معلومًا من دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم قبيح الشرك والوعيد عليه في النار وأخبار عقوبات الله لأهله متداولة بين الأمم قرنًا بعد قرن، فلله الحجة البالغة على المشركين في كل وقت وحين، ولو لم يكن إلا ما فطر الله عليه عباده من توحيد ربوبيته وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر وإن كان سبحانه لا يعذب بمقتضى هذه الفطرة وحدها فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها، فالمشرك مستحق للعذاب في النار لمخالفته دعوى الرسل وهو مخلد فيها دائمًا كخلود أهل الجنة في الجنة، انتهى.