فهرس الكتاب
ولا يخفى أن ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في حق بعض أرباب الفترة من التعذيب يدل دلالة صريحة للرد على ما عليه بعض الشافعية من أن أهل الفترة لا يعذبون مطلقًا. قال واصلة أن عندهم محجوج عليه يعقله وعندنا هو غير محجوج عليه قبل بلوغ الدعوة إليه. ومنها قول السيوطي أنه ورد في أهل الفترة أحاديث أنهم يمتحنون يوم القيامة بأن ترفع لهم: نار فيقال لهم أدخلوها فيدخلها من كان في علم الله سعيدًا لو أدرك العمل ويمتنع من دخولها من كان في علم الله شقيًا لو أدرك العمل، فيقول تعالى إياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب. ولا يخفى أن هذا على تقدير صحته وقوته لمعارضته ومخالفته إنما يكون فيمن مات من أهل الفترة ولم يعلم حالة من أحداث الشرك والتوحيد على الفطرة، وأما من ثبت كفره بالكتاب والسنة واتفاق الأئمة فلا وجه لإدخاله في أصحاب الامتحان للطاعة كورقة بن نوفل وقس بن ساعدة وغيرهما ممن ثبت توحيدهما ولا نحو صاحب المحجن وغيره ممن ثبت شركهما.
وأغرب من هذا أنه استدل بقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في بعض كتبه بالظن بآله صلى الله عليه وسلم يعني الذين ماتوا قبل البعثة أنهم يطيعون عند الامتحان إكرامًا له صلى الله عليه وسلم لتقرّ بهم عينه انتهى.
ووجه الغرابة أن هذه القضية بالطريقة الظنية في أهل الفترة الحقيقية المبهمة لا تفيد في المسألة العينية وكذا من العجيب ما نسب إلى العسقلاني في قوله:"ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب وآل بيته في جملة من يدخلها طائعًا فينجو إلا أبا طالب فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن وثبت في الصحيح أنه في ضحضاح من نار، انتهى".
ولا يخفى أن إدخال عبد المطلب في القصة خارج عن الصحة لما ورد في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أبي طالب عند موته وعنده أبو جهل وابن أبي أمية قائلين أترغب عن ملة عبد المطلب فقال أنا على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله فنزل: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) .
فهذا يقتضي أن عبد المطلب مات على الشرك بلا شك، وفي الأل المهذب أن المجرب لا يجرب، ومما يقويه ويؤكده ما في مسند البزار وكتاب النسائي من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها وقد عزّت قومًا من الأنصار عن ميتهم"لعلك بلغت معهم الكدى"فقال:"لو كنت بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك"، وقد أخرجه أبو داود أيضًا إلا أنه لم يذكر فيه حتى يراها جد أبيك، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد على مرتكب المعصية ولو كان صاحبها من أعلى أهل بيت النبوة.
وأما ما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب، فمحمول على أنه ليس من باب الافتخار في الانتساب بالآباء الكفار بل لإظهار الجلادة والشجاعة والاشتهار كما بينه في شرح الشمائل للترمذي، وأما ما حكاه ابن سيد الناس أن الله أحياه بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حتى آمن به وأسلم ثم مات فهو مردود لأنه لا دليل عليه من حديث ضعيف ولا غيره وإنما حكوه عن بعض الشيعة وخلافهم غير معتبر عند أهل السنة، وكذا قول القرطبي ما حكام العماد بن كثير في تفسيره أن الله أحيا أبا طالب حتى آمن، باطل موضوع بإجماع أهل الحديث ومخالف لمذهب الحق، على أنه سبق أن لا ينفع الإيمان بعد البيان بل أقول لا يتصور هذا البيان إذ قال الله تعالى: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) ولا خلف في إخباره سبحانه وتعالى.