وقد قال بعض السلف: ما ترك أحد حقًا إلا تكبر في نفسه. ومصداق ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:"لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر"، ثم فسر الكبر بأنه بطر الحق أي رده، وغيظ الناس وهو احتقارهم وازدراؤهم، ولقد أحسن القائل:
وتعرّ من ثوبين من يلبسهما ... / ... يلقى الردى بمذمة وهوان
ثوب من الجهل المركب فوقه ... / ... ثوب التعصب بئس ما الثوبان
وتحلّ بالإنصاف أفخر حلة ... / ... زينت بها الأعطاف والكتفان
واجعل شعارك خشية الرحمن مع ... / ... نصح الرسول فحبذا الأمران
وقال ابن القيم رحمه الله أيضًا: وما أحسن ما قال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن المعروف بأبي شامة في كتاب (الحوادث والبدع) : بحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد لزوم الحق واتباعه وإن كان المتمسك به قليلًا والمخالف له كثيرًا لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا تنظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم، قال عمرو بن ميمون الأودي: صحبت معاذًا فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة، ثم سمعته يومًا من الأيام وهو يقول: سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها فصلوا الصلاة لميقاتها فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة، قال: قلت يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدثون، قال: وماذا؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها ثم تقول صل الصلاة وحدك وهي الفريضة وصل مع الجماعة وهي النافلة.
قال: يا عمرو بن ميمون قد كنت أظن أنك من أفقه أهل هذه القرية، أتدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: إن جمهور الناس قد فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك.
وفي طريق أخرى: فضرب على فخذي وقال: ويحك، إن جمهور الناس قد فارقوا الجماعة.
وإن الجماعة ما وافق طاعة الله عز وجل.
قال نعيم عن حماد: يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن يفسدوا، وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ. ذكره البيهقي وغيره.
وروى مبارك بن فضالة عن الحسن البصري قال: لو أن رجلًا أدرك السلف الأول ثم بعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئًا، قال: ووضع يده على خده ثم قال: إلا هذه الصلاة، ثم قال: أما والله لمن عاش في هذه النكراء ولم يدرك هذا السلف الصالح فرأى مبتدعًا يدعو إلى بدعته ورأى صاحب دينًا يدعو إلى دينه، فعصمه الله من ذلك وجعل قلبه يحن إلى ذلك السلف الصالح يسأل عن سبيلهم ويقتص آثارهم يتبع سبيلهم ليعوض أجرًا عظيمًا، فكذلك كانوا إن شاء الله.
وروى محمد بن وضاح عن أبي الطفيل أن حذيفة بن اليمان أخذ حصاة بيضاء فوضعها في كفه ثم قال: إن هذا الدين قد استضاء إضاءة هذه الحصاة، ثم أخذ كفًا من تراب فجعل يذره على الحصاة حتى واراها قم قال: والذي نفسي بيده ليجيئن أقوام يدفنون هذا الدين كما دفنت هذه الحصاة، ولتسلكن طريق الذين كانوا قبلكم حذو القذة بالقذة وحذو النعل بالنعل.
وقال محمد بن وضاح رحمه الله: الخير بعد الأنبياء ينقص والشر يزيد، قال ابن وضاح: إنما هلكت بنو إسرائيل على أيدي قرائهم وفقهائهم.
وروى ابن وضاح عن عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن حسان بن أبي جبلة عن أبي الدرداء قال: لو خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم ما عرف شيئًا مما كان عليه هو أصحابه إلا الصلاة. قال الأوزاعي: فكيف لو كان اليوم؟ قال عيسى بن يونس: فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان؟
وروى ابن وضاح عن الأوزاعي قال: قال لي شقيق أبو وائل: يا سليمان ما شبهت قراء زمانك إلا بغنم رعت حمضًا فمن رآها ظن أنها سمينة وإذا ذبحها لم يجد فيها شاة سمينة.