فهرس الكتاب
وأما ما ذكره ابن حجر المكي تبعًا للسيوطي من أن الأحاديث مصرحة لفظًا في أكثره ومعنى في كله أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم غير الأنبياء وأمهاته إلى آدم وحواء ليس فيهم كافر لا يقال في حقه أنه مختار ولا كريم ولا ظاهر فمردود عليه إذ ليس في الأحاديث لفظ صريح مشير إليه، وأما المعنى فكأنه أراد به لفظ المختار والكريم والأطهار وهو لا دلالة فيه على الإيمان أصلًا، وإلا فيلزم منه أن يكون قبيلة قريش كلهم مؤمنين لحديث أن الله اصطفى كنانة، من ولد إسماعيل وأصطفى قريشًا من كنانة ولم يقل به أحد من المسلمين، وكذا حديث فاختار منهم العرب ولا يصح عموم إيمانهم قطعًا بل لو استدل بمثل هذا المبنى لزم أن لا يوجد كافر على وجه الأرض لقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) إلى قوله: (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) فتأمل فأنه موضع زلل ومقام خطل، واحذر أن تكون ضالًا مضلًا في الوحل.
ثم ما أبعد قوله في حديث مسلم أن أبي وأباك في النار قصد بذلك تطبيب خاطر الرجل خشية أن يرتد لو قرع سمعه أولًا أن أباه في النار انتهى، وهذا نعوذ بالله من القول به وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يخبر بغير الواقع ويحكم بكفر والده لأجل تألف قلب واحد يؤمن به أو لا يؤمن، فهذه زلة عظيمة وجراءة جسيمة حفظنا الله عن مثل هذه الجريمة.
ومنها استدلال السيوطي على إيمان جميع آبائه صلى الله عليه وسلم بما ذكره عبد الرزاق في المصنف عن معمر عن ابن جريج قال: قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لم يزل على وجه الأرض في الدهر سبعة مسلمون فصاعدًا ولولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها، وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ومثله لا يقال من قبل الرأي فله حكم الرفع وأطال في ذكر أمثاله من الأخيار والآثار بما ليس له مناسبة في هذا الباب، وإنما هو تسديد الكتاب عند من لم يميز بن الخطأ والصواب.
هذا وما أخرج ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما من أن أبا إبراهيم عليه السلام لم يكن اسمه آزر وإنما كان اسمه تارخ فلا دلالة له فيه على المدعى لأننا نقول ولو سلم أن اسمه تارخ ولقبه آزر لا يلزم أن آباه لم يكن مشركًا وكذا ما أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق بعضها صحيح عن مجاهد قال: ليس آزر أبا إبراهيم يعني اسمه بل لقبه لما سبق جميعًا بين الأدلة ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم يسند صحيح عن السدى أنه قيل له اسم أبي إبراهيم آزر فقال بل اسمه تارخ يعني ولقبه آزر وكذا ما أخرج ابن المنذر بسند صحيح عن ابن جريح في قوله وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ليس آزر بأبيه يعني بل لقبه إنما هو إبراهيم بن تيرخ أو تارخ بن شاروخ بن ناصور ابن تارخ هذا لم يذكر أحد من هؤلاء الأعلام أن آزر عم إبراهيم عليه السلام فثبت أن هذا القيل من القول العليل.
وقد أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات فلما مات تبين له أنه عدو الله فلم يستغفر له، وأخرج محمد بن كعب وقتادة ومجاهد والحسن وغيرهم قالوا كان يرجو إيمانه في حياته فلما مات على شركه تبرأ منه.
وقد قدمنا هذا البحث مستوفيًا ومنها استدلاله بقوله تعالى: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ) حيث قال: أخرج عبد بن حميد في تفسيره بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا إله إلا الله باقية في عقب إبراهيم.