فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 294

وأقول زيادة على ذلك وهو أنه صلى الله عليه وسلم كان مبينًا للكتاب ممهدًا لطريق الصواب، فلو كان المراد بأبي إبراهيم عمه لبينه ولو في حديث للأصحاب ليحملوا الأب على عمه بطريق المجاز في هذا الباب، ثم دعوى أن آباء الأنبياء عليهم السلام لم يكونوا كفارًا نحتاج إلى برهان واضح ودليل واضح، فاستدلال بقوله تعالى: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) بناء على ما في غاية من السقوط كما يعلم من قول سائر المفسرين في الآية، فقد ذكر البيضاوي وغيره في تفاسيرهم أن معنى الآية وترددك في تصفح أحوال المتهجدين كما روى أنه لما نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة بيوت أصحابه لينظر ما يصنعون حرصًا على كثرة طاعتهم فوجدها كبيوت الزنانير لما سمع لها من دندنتهم بذكر الله تعالى.

ونقل الإمام أبو حيان في البحر عند تفسيره قوله تعالى: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) أن الرافضة هم القائلون أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين مستدلين بقوله تعالى: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) وبقوله عليه السلام:"لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين"، الحديث.

وأما قول ابن حجر المكي فلك رد قول أبي حيان بأن مثله أنما يرجع إليه في علم النحو وما يتعلق به فظاهر البطلان للإجماع على قبول شهادة النحويين وروايتهم عن المحدثين إذا لم يكن فيه ضعف الدين، كيف وله ثلاثة من التفاسير وله من السير كتاب كبير مع أن الشيعة بأجمعهم مقرون بأن هذا قاعدة مذهبهم وله أن يعارضك ويقول وأنت فقيه صرف لم تعرف إلا رؤوس المسائل الفقهية المتعلقة بالخصومات العرفية، وبهذا أيضًا يظهر بطلان قول ابن حجر وأما من أخذه بظاهره كالبيضاوي وغيره فقد تساهل واستروح، انتهى.

فكيف يصح قول الرازي أن جميع آباء محمد صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين مع حديث مسلم وإجماع جمهور المسلمين ثم أغرب في قوله وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم عليه السلام ما كان من الكافرين، انتهى.

ولا يخفى أنه لم يثبت به الظن فضلًا عن القطع بل إنما هو في مرتبة الشك أو الوهم ثم الاستدلال على أن آباء محمد صلى الله عليه وسلم ما كانوا مشركين بقوله صلى الله عليه وسلم ولم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات إلى آخر ما ذكره مردود عليه بما أشرنا إليه وبأن المراد بالحديث ما ورد من طرق متعددة منها ما أخرجه البيهقي في دلائل النبوة من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله تعالى في خيرهما، فأخرجت من بين أبوي لم يصبني شيء من عهد الجاهلية، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم عليه السلام حتى انتهيت إلى أبي وأمي، فأنا خيركم نفسًا (أي روحًا) وذانًا، وأخيركم أبًا (أي نسبًا وحسبًا) ."

ومنها ما أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة من طرق ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: لم يلتق أبواي قط على سفاح لم يزل الله عز وجل ينقلني من الأصلاب الطيبة والأرحام الطاهرة مضفًا مهديًا لا يتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما.

ومنها ما أورده البيهقي في سننه: ما ولدني من سفاح الجاهلية شيء، ما ولدني إلا نكاح الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت