فهرس الكتاب
قلت وهذا يعارضه ما صح في صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم كما سبق عليه الكلام قال: وهذا المسلك ذهبت إليه طائفة منهم الإمام فخر الدين الرازي فقال في كتابه أسرار التنزيل ما نصه: قيل إن آزر لم يكن والد إبراهيم بل كان عمه واحتجوا عليه بوجوه منها إن آباء الأنبياء عليهم السلام ما كانوا كفارًا ويدل عليه وجوه منها قوله تعالى: (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ، وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) قيل إن معناه أنه كان ينقل نوره من ساجد إلى ساجد وبهذا التقرير كالآية دالة على أن جميع آباء محمد صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم عليه السلام ما كان من الكافرين إنما ذلك عمه، أقصى ما في الباب أن يحمل قوله: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) على وجوه أخرى وإذا وردت الرواية بالكل ولا منافاة بينهما وجب حمل الآية على الكل ومتى صح ذلك ثبت أن والد إبراهيم ما كان من عبدة الأوثان ثم قال ومما يدل على أن آباء محمد صلى الله عليه وسلم ما كانوا مشركين قوله عليه السلام:"ولم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات"، وقال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركًا. قال السيوطي: هذا كلام الإمام فخر الدين بحروفه وناهيك به أمامة وجلالة فإنه إمام أهل السنة في زمانه والقائم بالرد على فرق المبتدعة والناصر لمذاهب الأشاعرة في عصره، وهو العالم المبعوث على رأس المائة السادسة ليجدد لهذه الأمة أمر دينها، انتهى.
ولا يخفى مع معارضة كلامه لما سبق من الكتاب والسنة واتفاق الأئمة وما هو صريح في صحيح مسلم من كلام صاحب النبوة أنه قال: قال الله تعالى في كلامه القديم ما يدل على كفر أبي إبراهيم والأصل في حمل الكلام على الحقيقة ولا يعدل إلى المجاز، إلا حال الضرورة عند دليل صريح ونقل صحيح يضطر منه إلى ارتكاب المجاز، فبمجرد قول أخباري أو تاريخي يهودي أو نصراني كما عبر عنه يقبل أن آزر لم يكن والد إبراهيم بل كان عمه، كيف يعدل عن آيات مصرحة فيها إثبات أبوه منها قوله: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً) وهو عطف بيان ويدل بناء على أنه لقب له أو نعت بلسانهم نحو ذلك ومنها قوله تعالى: (( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ، وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ) وفي قراءة شاذة وعدها أباه، ومنها قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: (يَا أَبَتِ) مكررًا، ومنها قوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) .