فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 294

وبطلانه ظاهر مما قدمناه كما لا يخفى ومنها استدلاله بقوله تعالى: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) فقد أخرج ابن المنذر عن ابن جريح أنه قال: فلن يزال من ذرية إبراهيم عليه السلام ناس على الفطرة يعبدون الله، قلت: هذا كلام صحيح ودلالته على التبعيض صريح، وأما ما ورد عن ابن عباس وغيره من أنه كان عدنان وجعد وربيعة ومضر وخزيمة وأسد على ملة إبراهيم فلا تذكروهم إلا بخير فلا دلالة فيه على تقدير صحته إلا على أن هؤلاء كانوا على التوحيد وإنما أشرك أولادهم من بعدهم بخروجهم عن حيز التوفيق والتأييد. ومنها أنه قد ثبت عن جماعة كانوا في زمن الجاهلية أنهم تحنفوا وتدينوا بدين إبراهيم عليه السلام وتركوا الشرك، فما المانع من أن يكون أبوي النبي صلى الله عليه وسلم سلكوا سبيلهم في ذلك؟

قلت: بعد ما كان مستدلًا قاطعًا رجع فصار مانعًا، وهذا مسلكه أهون من بيت العنكبوت ولا يصلح أن يقال مثل هذا إلا في البيوت إذ حديث مسلم ينادي على خلال ذلك وبقية ما ذكرنا من الدلالات في الآيات والأحاديث يرد احتمال خلاف ما هنالك، لأن الحافظ أبا الفرج ابن الجوزي ذكر في التقليح تسمية من رفض عبادة الأصنام في الجاهلية أبو بكر الصديق، زيد بن عمرو بن نفيل، عبيد الله بن جحش، عثمان بن الحويرث، قس بن ساعدة الأيادي، أبو قيس بن حرمة انتهى.

ولو كانا من هذا القبيل لكان ذكرهما أولى في مقام التعليل. هذا وقد روى ابن إسحاق وأصله في الصحيح تعليقًا عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو وابن نفيل مسندًا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: اللهم إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به ولكني لا أعلم وهذا يدل على ما حررناه وفيما تقدم قررناه من أن جميع ذرية إسماعيل عليه السلام لم يثبتوا على دين إبراهيم من التوحيد.

وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة عن عمرو بن عنبسة السلمي قال: رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية ورأيت أنها الباطل يعبدون الحجارة. وأخرج ابو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل من طريق الشعبي عن شيخ من جهينة أن عمر بن حبيب الجهني ترك الشرك في الجاهلية وصلى لله تعالى وعاش حتى أدرك الإسلام.

هذا وقد أظهر السيوطي مجادلته مع كل من الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي في عدولهم من الحديث الصحيح لما قام عندهم من الدليل الصريح الصادق عن العمل بذلك الحديث والأخذ به مع أن أدلة كل من المذاهب مذكورة في مؤلفاتهم ومسطورة في مطولاتهم وليس في قواعدهم أن يتركوا الحديث الصحيح ويأخذوا بالحديث الضعيف في مقام الترجيح، على أن الشافعي قال إذا صح الحديث فاتركوا قولي ثم قال وإن كان المجادل ممن يكتب الحديث ولا فقه عنده فقد قال الأقدمون المحدث بلا فقه كعطار غير طبيب، فالأدوية حاصلة في دكانه ولا يدري لماذا تصلح والفقيه بلا حديث كطبيب ليس بعطار يعرف ما تصلح له الأدوية إلا أنها ليست عنده وإني بحمد الله قد اجتمع عندي الحديث والفقه والأصول وسائر الآلات من العربية والمعاني والبيان وغير ذلك فأنا أعلم كيف أتكل وكيف أقول وكيف أستدل وكيف أرجح وأما أنت أخي وفقني الله وإياك فلا يصلح لك ذلك لأنك لا تدري الفقه ولا الأصول ولا شيئًا من الآلات، والكلام في الحديث والاستدلال به ليس بالهين ولا يحل الإقدام على التكلم فيه لمن لم يجمع هذه العلوم فاقتصر على ما أتاك الله تعالى وهو أنك إذا سئلت عن حديث مقول ورد أو لم يرد وصححه الحفاظ وحسنوه أو ضعفوه لا يحل لك في الإفتاء سوى هذا القدر وخل ما عدا ذلك والله أعلم.

لا تحسب المجد ثمر أنت آكله ... لن تبلغ المجد جتى تلعق الصبرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت