فهرس الكتاب

الصفحة 275 من 294

ولا يخفى بطلان هذا التعقيب لأن أصحاب الكهف ماتوا مؤمنين بإجماع المسلمين، وإنما الكلام في قبول توبة الأموات من المشركين. ثم قال: ولا بد من أن يكون الله كتب لأبوي النبي صلى الله عليه وسلم عمرًا ثم قبضهما قبل استيفائه ثم أعادهما لاستيفاء تلك اللحظة الباقية وآمنا فيها فيعتد به انتهى.

ولا يخفى أن البحث ليس في إمكان القدرة لأنها قابلة للطرفين وشاملة للصنفين وإنما الكلام في صحة وقوع أي الشقين، ثم قال: وأما قوله بل أبويه آمنا عند المعاينة فكيف الإعادة، فمردود بأن الإيمان عند المعاينة إيمان يأس فلا يقبل بخلاف الإيمان بعد الإعادة وقد دل على هذا قوله تعالى: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ) .

أقول الكمال لله وإلا فمثل هذا الفاضل في مقام الأقصى كيف يغفل عن البرهان الأولى فإن الإيمان إذا لم يقبل عند مشاهدة بعض أحوال الآخرة الذي هو عين اليقين، فكيف يقبل بعد خروجه من الدنيا وتحققه بأمور العقبى الذي يسمى حق اليقين على أن المطلوب من العبد أن يؤمن بالغيب الذي هو علم اليقين مع أن الله تعالى نص على الحالتين بقوله تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) وهو على حال الغرغرة: (وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) هو بعد الإعادة.

ثم من أعجب العجائب وأغرب الغرائب قوله ويبني على هذا قوله تعالى: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ) فإنه دل عليه صحيحًا لكن على رده صريحًا لأنهم إذا عادوا لما نهوا عنه من الكفر والمعصية فلا يتصور منهم وجود الإيمان مع الطاعة. وأما ما ذكره ابن الكمال تبعًا للسيوطي من أنه سئل القاضي أبو بكر بن العربي أحد المالكية عن رجل قال أن أبا النبي صلى الله عليه وسلم في النار فأجاب بأنه ملعون لأن الله يقول: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) قال ولا أذى أعظم من أن يقال عن الله أنه في النار فمحمول على من قصد أذى النبي صلى الله عليه وسلم بإطلاق هذا الكلام فإنه ملعون بل كافر مطعون، وأما من أخبره بما ثبت عنه عليه السلام واعتقده كأبي حنيفة وغيره من علماء الإعلام فحاشاهم من نسبة الطعن عليهم ويحرم عليهم اللعن.

ثم نقله تبعًا له عن السهيلي ليس لنا أن نقول ذلك في أبوي النبي صلى الله عليه وسلم لقوله عليه السلام"لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات"كما رواه الطبراني فدفعه ظاهر على من عنده علم باهر وعقل قاهر.

قال ابن الكمال وبالجملة هذه المسألة ليست من الاعتقاديات فلا حظر للقلب منها وأما اللسان فحقه أن يصان عما يتبادر منه النقصان خصوصًا إلى وهم العامة لأنهم لا يقدرون على دفعه وتداركه.

قلت: ما ثبت بالكتاب والسنة يجب اعتقاده مجملًا أو مفصلًا نعم لو لم يخطر ببال مؤمن هذا البحث لا نفيًا ولا إثباتًا لا يضره ككثير من المسائل المذكورة في كتب العقائدة المسطورة، ثم هذه المسألة لو لم تكن في الجملة من المسائل الاعتقادية لما ذكرها الإمام المعظم المعتبر في ختم فقهه الأكبر وكأن هذا من علامة ولايته رضي الله عنه حيث كوشف له هذا المعنى أن يقع الاختلاف في هذا المبنى، ثم لا عبرة للعوام كالأنعام في عقائدهم الفاسدة وتأويلاتهم الكاسدة وإنما المدار على كلام الخواص من العلماء الأعلام الذين هم قدوة أهل الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت