فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 294

ثم من الوقائع الغريبة في الأزمنة القريبة أن بعض علماء الحنفية مع أنه بلغ غاية القصوى في مرتبة الفتوى أفتى تبعًا للسيوطي وجمع من الشافعية مع اطلاعه على عقيدة إمام الملة الحنفية حيث قال: المشهور عند العلماء ما ذكره الإمام الأعظم ولم يرجع عنه غير أن العلامة السيوطي أخرج بسنده حديثًا لا يصح التمسك به مضمونه أن الله أحيا له أبويه فآمنا به، ثم قال في آخره وهذا الذي نعتقده وندين الله به. ثم ذكر أنه تعارض حديث ابن مسعود وحديث ابن عباس وأمكن الجمع بينهما بأنه منع من الاستغفار أولًا وهو حديث ابن مسعود ثم أذن له ثانيًا وهو مضمون حديث ابن عباس الذي أخذ به الجلال السيوطي انتهى ملخصًا.

وأنت عرفت أن الحديث الأول الذي تمسك به السيوطي ليس بإسناده ولا يصح بالاتفاق بل هو ضعيف كما اعترف به السيوطي أو موضوع كما صرح به غيره، وأما ما نسبه إلى ابن عباس فلا أصل له لا عند السيوطي ولا عند غيره والله أعلم، وكان واجبًا عليه حديث لا دليل قدامه أن يقتفي أمامه ولا يتعدّ إمامه تصديقًا لقول القائل ..

إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام

ثم قال ابن الكمال: لا خفاء في أن إثبات الشرك في أبويه إضلال ظاهر بشرف نسبه الطاهر.

قلت: هذا القول ليسه له دخل في نسبه الطاهر بل إثبات لما أثبته عليه السلام بنفسه الطاهر تعم من قذف أم النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلمًا كان أو كافرًا كما قاله الإمام موفق الدين ابن قدامة الحنبلي في المقنع ونقله عنه السيوطي، وإنما خص الأم بالذكر لثبوت أحاديث دلت على أنه صلى الله عليه وسلم ولد من أمه بنكاح غير سفاح فإنكار ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم كفر فلا يرد أن حكم القاذف الحد المعروف ثم قوله كافرًا فيه بحث من جهة إطلاقه لأن الحربي لا كلام فيه والمستأمن لا يجوز قتله والذمي ظاهره القتل لأن له ما لنا وعليه وما علينا إلا ما خص بدليل.

وأما ما ذكره الكردي في منامه من أن من مات على الكفر أبيح لعنه إلا والدي الرسول صلى الله عليه وسلم لثبوت أن الله أحياهما حتى آمنا به ففيه مع ما سبق من التنبيه أنه أثبت كفر والديه ومنع لعنهما بشبهة الحديث المذكور ولو لم يصح نقلًا ولا شرعًا غايته أن يجوز عقلًا فلا شك أن الأحوط لصاحب الدين أن لا يلعن أحدًا فإن عدم الاشتغال بذكر الموتى في كل حال هو الأولى.

ثم ظهر لي وجه آخر في منع اللعن وهو ما قال صلى الله عليه وسلم: لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات، فعلى هذا لا يجوز لعن والدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ووالدي عمر رضي الله عنه ولا آباء سائر الصحابة ولا آباء بقية المسلمين إذ لا فائدة في اللعن، وقد يتفرع عليه الطعن وينجر إلى الفساد فيما بين العباد على الخصوص بالنسبة إلى والديه صلى الله عليه وسلم في إيذائه للأمة وله كمال في الحرمة ولولا منع النبي صلى الله عليه وسلم من الاستغفار لهما ولأمثالهما في الآية لكنا دعونا لهما بالمغفرة فلا يناسب أن ندعو عليهما باللعن والطرد عن الرحمة بل ربما يجوز لنا أن ندعوا لهما بتخفيف العذاب عنهما وتسليم الأمر إلى خالقهما فيما قضى عليهما وكان أمر الله قدرًا مقدورًا وكان ذلك في الكتاب مسطورًا، وهذه مسألة تحيرت فيها العقول واضطربت فيها النقول وليس لأحد الوصول إلى حقيقة هذا المحصول إلا أن يقول كما قال: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت