فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 294

وأما الجهمية وعباد القبور فلا يستدل بمثل هذه النصوص على عدم تكفيرهم إلا من لم يعرف حقيقة الإسلام وما بعث الله به الرسل الكرام؛ لأن الحقيقة ما جاءوا به ودعوا إليه وجوب عبادة الله وحده لا شريك له وإخلاص العمل له وأن لا يشرك في واجب حقه أحد من خلقه وأن يُوصف بما وصَف به نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال، فمن خالف ما جاءوا به ونفاه وأبطله فهو كافر ضال وإن قال لا إله إلا الله وزعم أنه مسلم لأن ما قام به من الشرك يناقض ما تكلم به من كلمة التوحيد، فلا ينفعه التلفظ بقول لا إله إلا الله لأنه تكلم بما يعمل به ولم يعتقد ما دل عليه؛ وأما قوله نقول بأن القول كفر ولا نحكم بكفر القائل فإطلاق هذا جهل صرف لأن هذه العبارة لا تنطبق إلا على المعين ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة إذا قال قولًا يكون القول به كفرًا فيقال من قال بهذا القول فهو كافر لكن الشخص المعين إذا قال ذلك لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر بها تاركها، وهذا في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك، فما قاله أهل الإهواء فإن بعض أقوالهم تتضمن امورًا كفرية من ردّ أدلة الكتاب والسنة المتواترة فيكون القول المتضمن لرد بعض النصوص كفرًا ولا يحكم على قائله بالكفر لاحتمال وجود مانع كالجهل وعدم العلم بنقض النص أو بدلالته، فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في كثير من كتبه؛ وذكر أيضًا تكفير أناس من أعيان المتكلمين بعد أن قرر هذه المسائل قال: وهذا إذا كان في المسائل الخفية فقد يقال بعدم التكفير، وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية أو ما يعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله ولا تجعل هذه الكلمة عكازة تدفع بها في نحر من كفر البلدة الممتنعة عن توحيد العبادة والصفات بعد بلوغ الحجة ووضوح المحجة.

وأما قوله وهؤلاء ما فهموا الحجة فهذا مما يدل على جهله وأنه لم يفرق بين فهم الحجة وبلوغ الحجة، ففهمها نوع وبلوغها نوع آخر، فقد تقوم الحجة على من لم يفهمها؛ وقد قال شيخنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كلام له فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة أو يكون ذلك في مسائل خفية مثل مسألة الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف، وأما أصول الدين التي وضحها الله وأحكمها في كتابه فإن حجة الله هي القرآن فمن بلغه فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وفهم الحجة فإن الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم كما قال تعالى: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) ، وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا) فقيام الحجة وبلوغها نوع وفهمها نوع آخر، وكفرهم الله ببلوغها إياهم مع كونهم لم يفهموها إلى آخر كلامه رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت