فهرس الكتاب
وأما قوله عن الشيخ محمد رحمه الله أنه لا يكفر من كان على قبة الكواز ونحوه لا يكفر الوثني حتى يدعوه وتبلغه الحجة فيقال: نعم فإن الشيخ محمدًا رحمه الله لم يكفر الناس ابتداء إلا بعد قيام الحجة والدعوة لأنهم إذ ذاك في زمن فترة وعدم علم بآثار الرسالة ولذلك قال لجهلهم وعدم من ينبههم، فأما إذا قامت الحجة فلا مانع من تكفيرهم وإن لم يفهموها، وفي هذه الأزمان خصوصًا في جهتكم قد قامت الحجة على من هناك واتضحت لهم المحجة، ولم يزل في تلك البلاد من يدعو إليى توحيد الله ويقرره ويناضل عنه ويقرر مذهب السلف وما دلت عليه طريقتهم حتى صار الأمر في هذه المسائل في تلك البلاد أظهر منه في غيرها ولا تخفى النصوص والأدلة حتى على العوام فلا إشكال والحالة هذه في قيام الحجة وبلوغها على من في جهتكم من المبتدعة والزنادقة الضلال، ولا يجادل في هذه المسألة ويشبه بها إلا من غلب جانب الهوى ومال إلى المطامع الدنيوية واشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا والله أعلم.
وأما قوله وتجوز حماية الكفار أو نائبهم وأخذ علم منهم لسلامة المال والسفينة وإن هذا بمنزلة الخفير الذي هو الرفيق، فالجواب أن يقال هذا قياس باطل فإن أخذ الخفير لسلامة المال جائز إذا ألجأ الحال إليه والخفير مسلم ظالم أو فاجر فاسق، وأما الدخول تحت حماية الكفار فهي ردة عن الإسلام وأخذ العلم منهم لا يجوز إذا كانوا لم يدخلوا تحت حمايتهم وولايتهم وليس بمنزلة أخذ الخفير لحماية المال فإن هذا علم وعلامة على أنهم منقادون لأمرهم داخلون في حمايتهم وذلك موافقة لهم في الظاهر وأجابوا أيضًا لا تصح إمامة من لا يكفر الجهمية والقبوريين أو يشك في تكفيرهم، وهذه المسألة من أوضح الواضحات عند طلبه العلم وأهل الأثر وذلك أن الإمام أحمد وأمثاله من أهل العلم والحديث لم يختلفوا في تكفير الجهمية وأنهم ضلال زنادقة، وقد ذكر من صنف في السنة تكفيرهم عن عامة أهل العلم والأثر، وعدّ اللالكائي منهم عددًا يتعذر ذكرهم في هذه الفتوى وكذا عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة والخلال في كتاب السنة وإمام الأئمة ابن خزيمة قرر كفرهم ونقله عن أساطين الأئمة، وقد حكى كفرهم ابن القيم في كافيته عن خمسمائة من أئمة المسلمين وعلمائهم وقد يفرق بين من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها وبين من لا شعور له بذلك، وهذا القول يميل إليه شيخ الإسلام في المسائل التي يخفى دليلها على بعض الناس، وعلى هذا القول فالجهمية في هذه الأزمنة قد بلغتهم الحجة وظهر الدليل وعرفوا ما عليه أهل السنة والجماعة واشتهرت التفاسير والأحاديث النبوية وظهرت ظهورًا ليس بعده إلا المكابرة والعناد وهذه هي حقيقة الكفر والإلحاد، كيف لا وقولهم يقتضي من تعطيل الذات والصفات والكفر بما اتفقت عليه الرسالة والنبوات وشهدت به الفطر السليمات مما لا يبقى معه حقيقة للربوبية والإلهية ولا وجود للذات المقدسة المتصفة بجميل الصفات، وهم إنما يعبدون عدمًا لا حقيقة لوجوده ويعتمدون على الخيالات والشّبَه ما يعلم فساده بضرورة العقل وبالضرورة من حقيقة دين الإسلام عند من عرفه وعرف ما جاءت به الرسل.
ولبشر المريسي وأمثاله من الشبه والكلام في نفي الصفات ما هو من جنس هذا المذكور عند الجهمية المتأخرين بل كلامه أخف إلحادًا من بعض قول هؤلاء الضُّلال ومع ذلك فأهل العلم متفقون على تكفيره، وكذلك القبوريون لا يشك في كفرهم من شم رائحة الإيمان.