فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 294

ومن أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين في عبادتهم الأوثان، ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله وأنواعه، حتى يتبين له تأويل القرآن فلينظر إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحوال العرب في زمانه، وما ذكره الأزرقي وغيره في أخبار مكة من العلماء.

وكان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط، فقال بعض الناس: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال:"الله أكبر، إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم"، فأنكر صلى الله عليه وسلم مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها معلقين عليها أسلحتهم.

فكيف بما هو أعظم من ذلك من الشرك بعينه.

إلى أن قال: (فمن ذلك عدة أمكنة بدمشق) مثل مسجد يقال له مسجد الكف فيه تمثال كف يقال إنه كف علي بن أبى طالب حتى هدم الله ذلك الوثن، وهذه الأمكنة كثيرة في البلاد، وفي الحجاز منها مواضع.

ثم ذكر كلامًا طويلًا في نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند القبور فقال: العلة لما يفضي إليه ذلك من الشرك، ذكر ذلك الشافعي وغيره، وكذلك الأئمة من أصحاب مالك وأحمد، كأبي بكر الأثرم عللوا بهذه العلة. وقد قال تعالى: (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) الآية.

ذكر ابن عباس وغيره من السلف أن هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، ذكر هذا البخاري في صحيحه وأهل التفسير كابن جرير وغيره.

ومما تبين صحة هذه العلة أنه لعن من يتخذ قبور الأنبياء مساجد.

ومعلوم أن قبور الأنبياء لا يكون ترابها نجسًا.

وقال عن نفسه: اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد.

فعلم أن نهيه عن ذلك كنهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها سدًا للذريعة لئلا يصلى في هذه الساعة وإن كان المصلي لا يصلي إلا لله، ولا يدعو إلا الله، لئلا يفضي ذلك إلى دعائها والصلاة لها، وكلا الأمرين قد وقع، فإن من الناس من يسجد للشمس وغيرها من الكواكب ويدعوها بأنواع الأدعية، وهذا من أعظم أسباب الشرك الذي يضل به كثير من الأولين والآخرين حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، وصنف بعض المشهورين فيه كتابًا على مذهب المشركين مثل أبي معشر البلخي، وثابت بن قرة وأمثالهم ممن دخل في الشرك وآمن بالطاغوت والجبت وهم ينتسبون إلى الكتاب كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) . انتهى كلام الشيخ رحمه الله.

فانظر رحمك الله إلى هذا الإمام الذي ينسب عنه من أزاغ الله قلبه عدم تكفير المعين كيف ذكر عن مثل الفخر الرازي وهو من أكابر أئمة الشافعية، ومثل أبى معشر وهو من أكابر المشهورين من المصنفين وغيرهما أنهم كفروا وارتدوا عن الإسلام، والفخر هو الذي ذكره الشيخ في الرد على المتكلمين، لما ذكر تصنيفه الذي ذكر هنا قال وهذه ردة صريحة باتفاق المسلمين وسيأتي كلامه إن شاء الله تعالى.

وتأمل أيضًا ما ذكره في اللات والعزى ومناة وجعله فعل المشركين معها هو بعينه الذي يفعل بدمشق وغيرها، وتأمل قوله على حديث ذات أنواط.

هذا قوله في مجرد مشابهتهم في اتخاذ شجرة، فكيف بما هو أطم من ذلك من الشرك بعينه؟ فهل للزائغ بعد هذا متعلق بشيء من كلام هذا الإمام؟

وأنا أذكر لفظه الذي احتجوا به على زيغهم، قال رحمه الله تعالى: أنا من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير، أو تبديع، أو تفسيق، أو معصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى، انتهى كلامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت