فتبين أن من أعظم الأسباب الموجبة لكون الإنسان من شر الدواب هو عدم الحرص على تعلم الدين، فإذا كان هذا الجاهلي يطلب هذا المطلب، فما عذر من ادعى اتباع الأنبياء وبلغه عنهم ما بلغه وعنده من يعرض عليه التعليم ولا يرفع بذلك رأسًا؟ فإن حضر أو سمع فكما قال تعالى: (مَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) .
وفيه من العبر أيضا أنه لما قال: أرسلني الله، قال: بأي شيء أرسلك؟ قال: بكذا وكذا.
فتبين أن زبدة الرسالة الإلهية، والدعوة النبوية، هو توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له وكسر الأوثان، ومعلوم أن كسرها لا يستقيم إلا بشدة العداوة وتجريد السيف، فتأمل زبدة الرسالة.
وفيه أيضًا أنه فهم المراد من التوحيد، وفهم أنه أمر كبير غريب، ولأجل هذا قال: من معك؟ قال: حر وعبد، فأجابه أن جميع العلماء والعباد والملوك والعامة مخالفون له ولم يتبعه على ذلك إلا من ذكر، فهذا أوضح دليل على أن الحق قد يكون مع أقل القليل وأن الباطل قد يملأ الأرض.
ولله در الفضيل بن عياض حيث يقول: لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين.
وأحسن منه قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) .
وفي الصحيحين أن بعث النار من كل ألف تسعة وتسعون وتسعمائة وفي الجنة واحد من كل ألف، ولما بكوا من هذا لما سمعوه قال صلى الله عليه وسلم:"إنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية فيؤخذ العدد من الجاهلية فإن تمت وإلا أكمل من المنافقين". قال الترمذي حسن صحيح.
فإذا تأمل الإنسان ما في هذا الحديث من صفة بدء الإسلام، ومن اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم إذ ذاك، ثم ضم إليه الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال:"بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ"، تبين له الأمر إن هداه الله وانزاحت عنه الحجة الفرعونية: (فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى) ؟
والحجة القرشية (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ) .
وقال أبو العباس في كتاب (إقتضاء الصراط المستقيم) في الكلام على قوله تعالى: (وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) .
ظاهره أن ما ذبح لغير الله سواء لفظ به أو لم يلفظ حرام، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم وقال فيه باسم المسيح وغيره.
كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله أزكى مما ذبحناه للحم وقلنا عليه باسم الله.
فإن عبادة الله بالصلاة والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور.
والعبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله، فلو ذبح لغير الله متقربا إليه لحرم وإن قال فيه باسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبائحهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان، وهذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن، انتهى كلام الشيخ.
وهو الذي ينسب عند أعداء الدين أنه لا يكفر المعين.
فانظر أرشدك الله إلى تكفيره من ذبح لغير الله من هذه الأمة، وتصريحه أن المنافق يصير مرتدًا بذلك، وهذا في المعين، إذ لا يتصور أن تحرم إلا ذبيحة معين.
وقال أيضا في الكتاب المذكور: وكانت الطواغيت الكبار التي تشد إليها الرحال ثلاثة: اللات، والعزى، ومناة، وكل واحد منها لمصر من أمصار العرب، فكانت اللات لأهل الطائف، ذكروا أنه كان في الأصل رجلًا صالحًا يلت السويق للحاج فلما مات عكفوا على قبره.
وأما العزى: فكانت لأهل مكة قريبا من عرفات، وكانت هناك شجرة يذبحون عندها ويدعون.
وأما مناة: فكانت لأهل المدينة وكانت حذو قديد من ناحية الساحل.