فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 294

مما قال الشيخ الإمام، وعلم الهداة الأعلام (محمد بن عبدالوهاب) رحمه الله تعالى: لما ارتاب بعض من يدعي العلم من أهل العيينة لما ارتد أهل حريملا.

فسئل الشيخ أن يكتب كلامًا ينفعه الله به.

فقال رحمه الله تعالى: روى مسلم في صحيحه عن عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه قال: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، قال: فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارا فقعدت على راحلتي حتى قدمت عليه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيًا جروء عليه قومه فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له: وما أنت؟ قال: أنا نبي!. قلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله! فقلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء! فقلت له: ومن معك على هذا؟. قال: حر وعبد! قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال، فقلت له: إني متبعك. قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس، ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني، قال: فذهبت إلى أهلي وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وكنت في أهلي، وجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة، حتى قدم نفر من أهل يثرب، فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع! وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت المدينة فدخلت عليه فقلت: يا رسول الله أتعرفني، قال: نعم! أنت الذي لقيتني بمكة؟ قال فقلت: يا نبي الله علمني مما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة. قال: صلِ صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، وحتى ترفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صلِ فإن الصلاة محضورة مشهودة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإنها حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، وذكر الحديث.

قال أبو العباس رحمه الله تعالى: فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها معللًا بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وأنه حينئذ يسجد لها الكفار.

ومعلوم أن المؤمن لا يقصد السجود إلا لله.

وأكثر الناس قد لا يعلمون أن طلوعها وغروبها بين قرني شيطان، ولا أن الكفار تسجد لها.

ثم أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في هذا الوقت حسمًا لمادة المشابهة.

ومن هذا الباب أنه إذا صلى إلى عود أو عمود جعله على حاجبه الأيمن ولم يصمد له صمدًا.

ولهذا ينهى عن الصلاة إلى ما عبد من دون الله في الجملة.

ولهذا نهي عن السجود بين يدي الرجل لما فيه من مشابهة السجود لغير الله. انتهى كلامه.

فليتأمل المؤمن الناصح لنفسه ما في هذا الحديث من العبر فإن الله سبحانه وتعالى يقص علينا أخبار الأنبياء وأتباعهم ليكون للمؤمن من المستأخرين عبرة فيقيس حاله بحالهم.

وقص قصص الكفار والمنافقين لتجتنب من تلبس بها أيضا.

فمما فيه من الاعتبار أن هذا الأعرابي الجاهلي لما ذكر له رجلًا بمكة يتكلم في الدين بما يخالف الناس لم يصبر حتى ركب راحلته فقدم عليه وعلم ما عنده لما في قلبه من محبة الدين والخير، وهذا فسر به قوله تعالى: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا) أي حرصًا على تعلم الدين (لَأسْمَعَهُمْ) أي لأفهمهم، فهذا يدل على أن عدم الفهم في أكثر الناس اليوم عدل منه سبحانه لما يعلم في قلوبهم من عدم الحرص على تعلم الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت