فهرس الكتاب
(فإن قلت) : القبوريون وغيرهم من الذين يعتقدون في فسقة الناس وجهالهم من الأحياء يقولون نحن لا نعبد هؤلاء، ولا نعبد إلا الله وحده، ولا نصلي لهم، ولا نصوم، ولا نحج.
(قلت) : هذا جهل بمعنى العبادة فإنها ليست منحصرة فيما ذكرت بل رأسها وأساسها الاعتقاد وقد حصل في قلوبهم ذلك بل يسمونه معتقدًا ويصنعون له ما سمعته مما تفرع عن الاعتقاد من دعائهم وندائهم والتوسل بهم والاستغاثة والاستعانة والحلف والنذر وغير ذلك، وقد ذكر العلماء أن من تزيى بزي الكفار صار كافرًا، ومن تكلم بكلمة الكفر صار كافرًا، فكيف بمن بلغ هذه الرتبة اعتقادًا وقولًا وفعلًا.
(فإن قلت) : هذه النذور والنحائر ما حكمها؟
(قلت) : قد علم كل عاقل أن الأموال عزيزة عند أهلها يسعون في جمعها ولو بارتكاب كل معصية، ويقطعون الفيافي من أدنى الأرض والأقاصي، فلا يبذل أحد من ماله شيئًا إلا معتقدًا لجلب نفع أكثر منه أو دفع ضرر.
فالناذر للقبر ما أخرج من ماله إلا لذلك، وهذا اعتقاد باطل، ولو عرف الناذر بطلان ما أراده ما أخرج درهمًا؛ فإن الأموال عزيزة عند أهلها، قال تعالى: (وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ) .
فالواجب تعريف من أخرج النذر بأنه إضاعة لماله وأنه لا ينفعه ما يخرجه ولا يدفع عنه ضررًا، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"إن النذر لا يأتي بخبر وإنما يستخرج به من البخيل"ويجب رده إليه، وأما القابض للنذر فإنه حرام عليه قبضه لأنه أكل لمال الناذر بالباطل لا في مقابلة شيء، وقد قال تعالى: (وَلا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) ولأنه تقرير للناذر على شركه وقبح اعتقاده ورضاه بذلك؛ ولا يخفى حكم الراضي بالشرك (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) الآية؛ فهو مثل حلوان الكاهن ومهر البغي ولأنه تدليس على الناذر وإيهام له أن الولي ينفعه ويضره.
فأي تقرير لمنكر أعظم من قبض النذر على الميت؟ وأي تدليس أعظم؛ وأي رضاء بالمعصية العظمى أبلغ من هذا؟ وأي تصيير لمنكر معروفًا أعجب من هذا؟ وما كانت النذور للأصنام والأوثان إلا على هذا الأسلوب: يعتقد الناذر جلب النفع في الصنم ودفع الضرر، فينذر له جزورًا من ماله، ويقاسمه في غلات أطيانه، ويأتي به إلى سدنة الأصنام فيقبضونه منه ويوهمونه حقية عقيدته، وكذلك يأتي بنحيرته فينحرها بباب الصنم.
وهذه الأفعال هي التي بعث الله الرسل لإزالتها وإمحائها وإتلافها والنهي عنها.
(فإن قلت) : إن الناذر قد يدرك النفع ودفع الضرر بسبب إخراجه للنذر وبذله.
(قلت) : كذلك الأصنام قد يدرك منها ما هو أبلغ من هذا وهو الخطاب من جوفها والإخبار ببعض ما يكتمه الإنسان؛ فإن كان هذا دليلًا على حقية القبور وصحة الاعتقاد فيها فليكن دليلًا على حقية الأصنام، وهذا هدم للإسلام وتشييد لأركان الأصنام.
والتحقيق أن لإبليس وجنوده من الجن والإنسان أعظم العناية في إضلال العباد، وقد مكن الله إبليس من الدخول في الأبدان والوسوسة في الصدور والتقام القلب بخرطومه؛ فكذلك يدخل أجواف الأصنام، ويلقي الكلام في أسماع الأقوام، ومثله يصنعه في عقائد القبوريين؛ فإن الله تعالى قد أذن له أن يجلب بخيله ورجله على بني آدم وأن يشاركهم في الأموال والأولاد.