فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 294

وثبت في الأحاديث أن الشيطان يسترق السمع بالأمر الذي يحدثه الله فيلقيه إلى الكهان وهم الذين يخبرون بالمغيبات ويزيدون فيما يلقيه الشيطان من عند أنفسهم مائة كذبة؛ ويقصد شياطين الجن شياطين الإنس من سدنة القبور وغيرهم فيقولون إن الولي فعل وفعل يرغبونهم ويحذرونهم منه؛ وترى العامة ملوك الأقطار وولاة الأمصارلا معززين لذلك ويولون العمال لقبض النذور، وقد يتولاها من يحسنون فيه الظن من عالم أو قاض أو مفت أو شيخ صوفي فيتم التدليس لإبليس، وتقر عينه بهذا التلبيس.

(فإن قلت) : هذا أمر عم البلاد، واجتمعت عليه سكان الأغوار والأنجاد، وطبق الأرض شرقًا وغربًا، ويمنًا وشامًا، وجنوبًا وعدنًا، بحيث لا بلدة من بلاد الإسلام إلا وفيها قبور ومشاهد وأحياء يعتقدون فيها ويعظمونها وينذرون لها ويهتفون بأسمائها ويحلفون بها ويطوفون بفناء القبور ويسرجونها ويلقون عليها الأوراد والرياحين؛ ويلبسونها الثياب ويصنعون كل أمر يقدرون عليه من العبادة لها وما في معناها من التعظيم والخضوع والخشوع والتذلل والافتقار إليها.

بل هذه مساجد المسلمين غالبها لا يخلو عن قبر و قريب منه أو مشهد يقصده المصلون في أوقات الصلاة يصنعون فيه ما ذكر أو بعض ما ذكر، ولا يسع عقل عاقل أن هذا منكر يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة ويسكت عليه علماء الإسلام الذين ثبتت لهم الوطأة في جميع جهات الدنيا.

(قلت) : إن أردت الإنصاف، وتركت متابعة الأسلاف، وعرفت أن الحق ما قام عليه الدليل، لا ما اتفق عليه العوالم جيلًا بعد جيل، وقبيلًا بعد قبيل، فاعلم أن هذه الأمورالتي ندندن حول إنكارها، ونسعى في هدم منارها، صادرة عن العامة الذين إسلامهم تقليد الآباء بلا دليل، ومتابعتهم لهم من غير فرق بين دني ومثيل.

ينشأ الواحد فيجد أهل قريته وأصحاب بلدته يلقنونه في الطفولية أن يهتف باسم من يعتقدون فيه، ويراهم ينذرون عليه ويعظمونه ويرحلون به إلى محل قبره؛ ويلطخونه بترابه ويجعلونه طائفًا على قبره، فينشأ وقد قرّ في قلبه عظمة ما يعظمونه وقد صار أعظم الأشياء عنده من يعتقدونه، فنشأ على هذا الصغير، وشاخ عليه الكبير، ولا يسمعون من أحد عليهم من نكير، بل ترى من يتسم بالعلم ويدعي الفضل وينتصب للقضاء والفتيا والتدريس، أو الولاية أو المعرفة، أو الإمارة والحكومة معظمًا لما يعظمونه مكرمًا لما يكرمونه، قابضًا للنذور، أكلًا ما ينحر على القبور، فيظن أن هذا دين الإسلام، وأنه رأس الدين والسنام، ولا يخفى على أحد يتأهل للنظر، ويعرف بارقة من علم الكتاب والسنة والأثر أن سكوت العالم أو العالم على وقوع منكر ليس دليلًا على جواز ذلك المنكر.

ولنضرب لك مثلًا من ذلك وهي هذه المكوس المسماة بالمجابي المعلوم من ضرورة الدين تحريمها قد ملأت الديار والبقاع وصارت أمرًا مأنوسًا لا يلج إنكارها إلى سمع من الأسماع، وقد امتدت أيدي المكاسين من أشرف البقاع في مكة أم القرى، يقبضون من القاصدين لأداء فريضة الإسلام، ويلقون في البلد الحرام كل فعل حرام، وسكانها من فضلاء الأنام، والعلماء والحكام، ساكتون عن الإنكار، معرضون عن إيراده والإصدار. أفيكون السكوت دليلًا على أخذها وإحرازها؟ هذا لا يقوله من له أدنى إدراك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت