فهرس الكتاب
بل أضرب لك مثلًا آخر: هذا حرم الله الذي هو أفضل بقاع الدنيا، بالاتفاق وإجماع العلماء، أحدث فيه بعض ملوك الشراكسة الجهلة الضلال هذه المقامات الأربعة التي فرقت لعبادات العباد، واشتملت على ما لا يحصيه إلا الله عز وجل من الفساد، وفرقت عبادات المسلمين، وصيرتهم كالملل المختلفة في الدين، بدعة قرت بها عين إبليس اللعين؛ وصيرت المسلمين ضحكة للشياطين، وقد سكت الناس عليها، ووفد علماء الآفاق والأبدال والأقطاب إليها، وشاهدها كل ذي عينين، وسمع بها كل ذي أذنين، أفهذا السكوت دليل على جوازها؟ هذا لا يقوله من له إلمام بشيء من المعارف. كذلك سكوتهم على هذه الأشياء الصادرة من القبوريين.
(فإن قلت) : يلزم من هذا أن الأمة قد اجتمعت على ضلالة حيبث سكنت عن إنكارها لأعظم جهالة.
(قلت) : الإجماع حقيقته اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر بعد عصره، وفقهاء المذاهب الأربعة يحيلون الاجتهاد من بعد الأربعة، وإن كان هذا قولًا باطلًا؛ وكلامًا لا يقوله إلا من كان للحقائق جاهلًا، فعلى زعمهم لا إجماع أبدًا من بعد الأئمة الأربعة، فلا يرد السؤال، فإن هذا الابتداع والفتنة بالقبور لم يكن على عهد أئمة المذاهب الأربعة.
وعلى ما نحققه فالإجماع وقوعه محال فإن الأمة المحمدية قد ملأت الآفاق وصارت في كل أرض وتحت كل نجم، فعلماؤها المحققون لا ينحصرون، ولا يتم لأحد معرفة أحوالهم، فمن ادعى الإجماع بعد انتشار الدين وكثرة علماء المسلمين، فإنها دعوى كاذبة كما قاله أئمة التحقيق.
ثم لو فرض أنهم علموا بالمنكر ووما أنكروه، بل سكتوا عن إنكاره لما دل سكوتهم على جوازه، فإنه قد علم من قواعد الشريعة أن وظائف الإنكار ثلاثة:
(أولها) : الإنكار باليد، وذلك بتغيير المنكر وإزالته.
(ثانيها) : الإنكار باللسان مع عدم استطاعة التغيير.
(ثالثهما) : الإنكار بالقلب عند عدم استطاعة التغيير باليد واللسان، فإن انتفى أحدها لم ينتف الآخر.
ومثاله مرور فرد من أفراد علماء الدين بأحد المكاسين وهو يأخذ أموال المظلومين. فهذا الفرد من علماء الدين لا يستطيع التغيير على هذا الذي يأخذ أموال المساكين باليد ولا باللسان، لأنه إنما يكون سخرة لأهل العصيان؛ فانتفى شرط الإنكار بالوظيفتين؛ ولم يبق إلا الإنكار بالقلب الذي هو أضعف الإيمان، فيجب على من رأى ذلك العالم ساكتًا عن الإنكار، مع مشاهدة ما يأخذه ذلك الجبار، أن يعتقد أنه تعذر عليه الإنكار باليد واللسان، وأنه قد أنكر بقلبه فإن حسن الظن بالمسلمين أهل الدين واجب، والتأويل لهم ما أمكن ضربة لازب، فالداخلون إلى الحرم الشريف والمشاهدون لتلك الأبنية الشيطانية التي فرقت كلمة الدين، وشتت صلوات المسلمين؛ معذورين عن الإنكار إلا بالقلب كالمارين على المكاسين وعلى القبوريين.
ومن هنا يعلم اختلال ما استمر عند أئمة الاستدلال من قولهم في بعض ما يستدلون عليه أنه وقع ولم ينكر فكان إجماعًا؛ ووجه اختلاله أن قولهم: ولم ينكر، رجم بالغيب؛ فإنه قد يكون أنكرته قلوب كثيرة تعذر عليها الإنكار باليد واللسان، وأنت تشاهد في زمانك أنه كم من أمر يقع لا تنكره بلسانك ولا بيدك وأنت منكر له بقلبك؛ ويقول الجاهل إذا رآك تشاهده سكت فلان عن الإنكار بقوله إلا لائمًا أو متأسيًا بسكوته، فالسكوت لا يستدل به عارف؛ وكذا يعلم اختلال قولهم في الاستدلال: فعل فلان كذا وسكت الباقون فكان إجماعًا، مختل من جهتين:
(الأولى) : دعوى أن سكوت الباقين تقرير لفعل فلان لما عرفت من عدم دلالة السكوت على التقرير.
(الثانية) : قولهم فكان إجماعًا، فإن الإجماع اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والساكت لا ينسب إليه وفاق ولا خلاف حتى يعرب عن لسانه.