فهرس الكتاب
قال بعض الملوك، وقد أثنى الحاضرون على شخص من عماله وفيهم رجل ساكت: ما لك لا تقول كما يقولون؟ فقال: إن تكلمت خالفتهم؛ فما كل سكوت رضى. فإن هذه منكرات أسسها من بيده السيف والسنان، ودماء العباد وأموالهم تحت لسانه وقلمه، وأعراضهم تحت قوله وكلمه، فكيف يقوى فرد من الأفراد، على دفعه عما أراد، فإن هذه القباب والمشاهد التي صارت أعظم ذريعة إلى الشرك والإلحاد؛ وأكبر وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب بنيانه، غالب بل كل من يعمرها هم الملوك والسلاطين والرؤساء والولاة، أما على قريب لهم على من يحسنون الظن فيه من فاضل أو عالم أو صوفي أو فقير أو شيخ أو كبير، ويزوره الناس الذين يعرفونه زيارة الأموات من دون توسل به ولا هتف باسمه، بل يدعون له ويستغفرون، حتى ينقرض من يعرفه أو أكثرهم، فيأتي من بعدهم فيجد قبرًا قد شيد عليه البناء، وسرجت عليه الشموع، وفرش بالفراش الفاخر، وأرخيت عليه الستور، وألقيت عليه الأوراد والزهور، فيعتقد أن ذلك لنفع أو لدفع ضر، ويأتيه السدنة يكذبون على الميت بأنه فعل وفعل، وأنزل بفلان الضرر وبفلان النفع، حتى يغرسوا في جبلته كل باطل.
ولهذا الأمر ثبت في الأحاديث النبوية اللعن على من سرج على القبور وكتب عليها وبنى عليها. وأحاديث ذلك واسعة معروفة فإن ذلك في نفسه منهي عنه، ثم هو ذريعة إلى مفسدة عظيمة.
(فإن قلت) : هذا قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عمرت عليه قبة عظيمة أنفقت فيها الأموال.
(قلت) هذا جهل عظيم بحقيقة الحال، فإن هذه القبة ليس بناؤها منه صلى الله عليه وسلم ولا من أصحابه ولا من تابعيهم وتابع التابعين، ولا من علماء أمته وأئمة ملته، بل هذه القبلة المعمولة على قبره صلى الله عليه وسلم من أبنية بعض ملوك مصر المتأخرين، وهو قلاوون الصالحي، المعروف بالملك المنصور في سنة ثمان وسبعين وستمائة، ذكره في (تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة) فهذه أمور دولية لا دليلية يتبع فيها الآخر الأول.
وهذا آخر ما أردناه مما أوردناه لما عمت البلوى واتبعت الأهواء، وأعرض العلماء عن النكير الذي يجب عليهم، ومالوا إلى ما مالت العامة إليه، وصار المنكر معروفًا والمعروف منكرًا، ولم نجد من الأعيان ناهيًا عن ذلك ولا زاجرًا.
(فإن قلت) : قد يتفق للأحياء وللأموات اتصال جماعة بهم يفعلون خوارق من الأفعال يتسمون بالمجاذيب، فما حكم ما يأتون من تلك الأمور؟ فإنها مما جلبت القلوب إلى الاعتقاد بها.
(قلت) : أما المتسمون بالمجاذيب الذين يلوكون لفظ الجلالة بأفواههم، ويقولونها بألسنتهم، ويخرجونها عن لفظها العربي، فهم من أجناد إبليس اللعين، ومن أعظم حمر الكون الذين ألبستهم حلل التلبيس والتزيين، لما أن إطلاق الجلالة مفردًا عن إخبار عنها بقولهم (الله الله) ليس بكلام ولا بتوحيد، وإنما هو تلاعب بهذا اللفظ الشريف بإخراجه عن لفظه العربي، ثم إخلاؤها عن معنى من المعاني، ولو أن رجلًا عظيمًا صالحًا يسمى بزيد وصار جماعة يوقولن زيد زيد لعد ذلك استهزاء وإهانة وسخرية، ولا سيما إذا زادوا إلى ذلك تحريف اللفظ.