فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 294

ثم انظر هل أتى في لفظه من الكتاب والسنة ذكر الجلالة بانفرادها وتكريرها؟ إذ الذي فيهما هو طلب الذكر والتوحيد والتسبيح والتهليل، وهذه أذكار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدعيته وأدعية آله وأصحابه خالية من هذا الشهيق والنهيق والنعيق، الذي اعتاده من عن الله وعن هدي رسوله صلى الله عليه وسلم وسمته ودله في مكان سحيق، ثم قد يضيفون إلى الجلالة الشريفة أسماء جماعة من الموتى؛ مثل ابن علوان وأحمد بن الحسين وعبد القادر والعيدروس بل قد انتهى الحال إلى أنهم يفرون إلى أهل القبور من الظلم والجراءة كعلي رومان وعلي الأحمر وأشباههما، وقد صان الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وأهل الكساء وأعيان الصحابة من إدخالهم في أفواه هؤلاء الجهلة الضلال، فيجمعون أنواعًا من الجهل والشرك والكفر.

(فإن قلت) : إنه قد يتفق من هؤلاء الذين يلوكون الجلالة ويضيفون إليها أهل الخلاعة والبطالة، خوارق عادات، وأمور تظن كرامات، كطعن أنفسهم، وحملهم لمثل الحنش والحية والعقرب، وأكلهم النار، ومسهم إياها بالأيدي وتقلبهم فيها بالأجسام.

(قلت) : هذه أحوال شيطانية وإنك لملبوس عليك إن ظننتها كرامات لأموات، أو حسنات للأحياء لما هتف هذا الضال بأسمائهم، جعلهم أندادًا وشركاء له في الخلق والأمر، فهؤلاء الموتى أنت تفرض أنهم أولياء الله تعالى، فهل يرضى ولي الله أن يجعله المجذوب أو السالك شريكًا له تعالى ندًا؟

إن زعمت ذلك فقد جئت شيئًا إذًا، وصيّرت هؤلاء الأموات مشركين، وأخرجتهم -وحاشاهم عن ذلك- عن دائرة الإسلام والدين حيث جعلتهم بجعلهم أندادًا لله راضين فرحين، وزعمت أن هذه كرامات لهؤلاء المجاذيب الضلال المشركين التابعين لكل باطل، المنغمسين بين بحار الرذائل، الذين لا يسجدون لله سجدة، ولا يذكرون الله وحده، فإن زعمت هذا فقد أثبت الكرامات للمشركين الكافرين المجانينن، وهدمت بذلك ضوابط الإسلام وقواعد الدين المبين والشرع المتين.

وإذا عرفت بطلان هذين الأمرين علمت أن هذه أحوال وأفعال طاغوتية، وأعمال إبليسية، يفعلها الشياطين لإخوانهم من هؤلاء الضالين، معاونة من الفريقين، وقد ثبت في الأحاديث أن الشياطين والجان يتشكلون بأشكال الحية والثعبان وهذا أمر مقطوع بوقوعه، فهم الثعابين التي يشاهدها في أيدي المجاذيب الإنسان.

وقد يكون ذلك من باب السحر؛ وهو أنواع؛ وتعلمه ليس بالعسير؛ بل بابه لأعظم الكفر بالله وإهانة ما عظمه الله، من جعل مصحف في كنيف ونحوه: فلا يغتر من يشاهد ما يعظم في عينيه من أحوال المجاذيب من الأمور التي يراها خوارق؛ فإن للسحر تأثيرًا عظيمًا في الأفعال، وهكذا الذين يقلبون الأعيان بالأسحار وغيرها. وقد ملأ سحرة فرعون الوادي بالثعابين والحيات حتى أوجس في نفسه خيفة موسى عليه السلام، وقد وصفه الله بأنه سحر عظيم.

والسحر يفعل أعظم من هذا، فإنه قد ذكر ابن بطوطة وغيره أنه شاهد في بلاد الهند قومًا توقد لهم النار العظيمة فيلبسون الثياب الرقيقة ويخوضون في تلك النار ويخرجون وثيابهم كأنها لم يمسها شيء؛ بل ذكر أنه رأى إنسانًا عند بعض ملوك الهند أتى بولدين معه، ثم قطعهما عضوًا عضوًا، ثم رمى بكل عضو إلى جهة فرقًا، حتى لم ير أحد شيئًا من تلك الأعضاء ثم صاح وبكى، فلم يشعر الحاضرون إلا وقد نزل كل عضو على انفراده وانضم إلى الآخر، حتى قام كل واحد منها على عادته حيًا سويًا.

ذكر هذا في رحلته وهي رحلة بسيطة وقد اختصرت -طالعتها بمكة عام ست وثلاثيسن ومائة وألف؛ وأملأها علينا العلامة مفتي الحنفية في المدينة السيد محمد بن أسعد رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت