فهرس الكتاب
فإذا تبين بالبراهين اليقينية أن الرب لا يجوز عليه خلاف الحكمة والعدل؛ علم بالاضطرار أن الرب سبحانه لا يسوي بين هؤلاء الصادقين -وهؤلاء- الكاذبين عليه- فضلًا عن أن يفضل الأشرار على الأخيار، لا في سلطان العلم وبراهينه وأدلته، ولا في سلطان النصر والتأييد.
فإن هذا مقتضى سنته التي لا تتبدل، وحكمته التي هو منزه عن نقيضها، وعدله سبحانه: وهو تسويته بين المتماثلات وتفريغه بين المختلفات.
فكيف يسوي بين أفضل الناس وأكملهم صدقًا، وبين أكذب الناس وشرهم كذبًا، فيما يعود إلى فساد العالم في العمول والأديان والأبضاع والأموال والدنيا والآخرة.
بل هذا أعظم من أن يقال: إنه خلق أطعمة نافعة، وسمومًا قاتلة، ولم يميز بينهما، بل كل ما أكله الناس جاز أن يكون من هذا وهذا ومعلوم أن من جوّز مثل هذا على الله فهو مصاب في عقله.
وهو سبحانه إذا ميز بعض المخلوقات بصفات يمتاز بها عن غيره ويختصه بها، قرن بذلك من الأمور ما يمتاز به عن غيره ويختص به.
ولا ريب أن النبوة يمتاز بها الأنبياء ويختصون بها والله تعالى يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس، وهو أعلم حيث يجعل رسالته.
فمن خصه بذلك كان له من الخصائص التي لا تكون لغيره ما يناسب ذلك فيستدل بتلك الخصائص على أنه من أهل الاختصاص بالنبوة.
وتلك سنته وعادته في أمثاله، يميزهم بخصائص يمتازون بها عن غيرهم، ويعلم أن أصحابها من ذلك الصنف المخصوص؛ الذين هم الأنبياء مثلًا.
ولهذا كل من كان كاذبًا ظهر علي كذبه بعد مدة. إذ جعل الله في القلوب هداية ومعرفة بين الصادق والكاذب. ولم يعرف قط في بني آدم أنه اشتبه صادق بكاذب إلا مدة قليلة، ثم يظهر الأمر. فإن التمييز بين الصادق والكاذب يظهر لجمهور الناس وعامتهم بعد مدة، ولا يطول اشتباه ذلك عليهم.