فهرس الكتاب
وهو الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، وهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. فكيف لا يقدر أن يهدي عباده إلى أن يعلموا أن هذا رسوله، وأن ما جاء به من الآيات آية من الله، وهي شهادة من الله له بصدقه.
والكلام في النبوة فرع على إثبات الحكمة التي يوجب فعل ما تقتضيه الحكمة، ويمتنع فعل ما تنفيه. إذ ما زال العقلاء يستدلون بما علموه من صفات الرب على ما يفعله، والحكمة والعدل والرحمة والسُّنة والعادة تعلم بالعقل؛ والعقل يستدل بما علم من أفعاله المحكمة المتقنة على علمه وعلى حكمته. ومن مقتضى الحكمة والإتقان وضع كل شيء في موضعه المناسب له، لتحصل به الحكمة المقصودة منه، ولذا لا يجوز عليه أن يسوي بين الصادق والكاذب عليه.
فحكمة الرب تقتضي أن يفرق بين هذه الأنواع، بما يناسب الصادق العالم العادل المصلح من الكرامة، وما يناسب الكاذب الظالم الجاهل المفسد من الهوان كما قال تعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص: 28] وكذلك قوله: (أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية: 21] .
فالمقصود هنا: أن هذا كله يستلزم أن الرب منزه عن أن يفعل بعض الأمور الممكنة المقدورة لكون ذلك يستلزم أمرًا يناقض حكمته.
فكما أنه سبحانه يمتنع عليه أن يكذب أو يظلم؛ فإنه سبحانه وتعالى منزه عن تصديق الكاذب، وحكمته تمنع ذلك. إذ لا يفعل القبيح إلا من هو جاهل أو لمجرد الشهوة، والله منزه عن هذا وهذا فيمتنع أن يفعل القبيح.
وهذه أصول عظيمة: من تصورها تصورًا جيدًا، انكشف له حقائق هذا الموضع الشريف.