فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 80

وهذا الكلام الذي أنزل عليه هو آية وبرهان على نبوته؛ فإنه لا يقدر عليه الإنس والجن (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء: 88] .

فمن هدى عباده إلى أن يرسلوا رسولًا بعلامة ويعلم المرسل إليه أنها علامة تدل على صدقه قطعًا، فكيف لا يقدر هو أن يرسل رسولًا ويجعل معه علامات يعرف بها عباده أنه قد أرسله؟ وهذا كمن جعل غيره قديرًا عليمًا حكيمًا؛ فهو أولى أن يكون قديرًا عليمًا حكيمًا.

وإذا كان الواحد من الناس قادرًا على إرسال رسول، وعلى أن يرسل علامة يعرف المرسل إليهم بها صدقه، فكيف لا يقدر الرب على ذلك؟

فإن إرسال رسول بدون علامة وآية تعرف المرسل إليهم أنه رسول، قبح وسفه في صرائح العقول، وهو نقص في جميع الفطر، فإذا كان هذا عيبًا ونقصًا، لا يرضاه الخلق لأنفسهم، وينزهون أنفسهم عنه، فالخالق سبحانه أولى أن ينزه عن كل عيب ونقص.

فهذه الطريقة -قياس الأَوْلى- من أبلغ الطرق البرهانية، وهي مستعملة في القرآن في غير موضع.

وتدبر آيات قدرة الله تعالى في خلقه يظهر للعقل قدرته تعالى على إرسال رسل وأنبياء من البشر؛ وأما حكمته في إرسال بشر، فقد ذكر أنه من جنسهم، وأنه بلسانهم، فهو أتم في الحكمة والرحمة؛ وذكر أنهم لا يمكنهم الأخذ عن الملَك وأنه لو نزل ملكًا لكان يجعله في صورة بشر ليأخذوا عنه. عالمين بما أمر به وأخبر به. كما يظهر أيضًا قدرته تعالى على تعريف الخلق صدق من أرسله إليهم وأنه نبيه.

فهو سبحانه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، فكيف يرسل إليهم رسولًا يأمر الخلق بالإيمان به وطاعته، ولا يجعل لهم طريقًا إلى معرفة صدقه؟ وهذا كتكليفهم بما لا يقدرون عليه، وما لا يقدرون على أن يعلموه؛ وهذا ممتنع في صفة الرب، وهو منزه عنه سبحانه، فإنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت