فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 80

ولذلك فإن إنكار المتواترات أصل من أصول الإلحاد والكفر؛ فإن المنقول عن الأنبياء بالتواتر من المعجزات وغيرها هو صحيح لا شك فيه.

وإذا قال أحد من الناس: هذا لم يتواتر عندي فلا تقوم به الحجة عليّ، كما يقول من يقول من الكفار: إن معجزات الأنبياء غير معلومة له؛ فيقال له: إسمع كما سمع غيرك؛ وحينئذ يحصل لك العلم.

إن عدم العلم، ليس علمًا بالعدم. وعدم الوجدان، لا يستلزم عدم الوجود. فهم إذا لم يعلموا ذلك، لم يكن هذا علمًا منهم بالعدم، ولا بعدم علم غيرهم فليس عند من أنكروا المتواترات دليل عقلي ينفي هذه المتواترات.

بل اشتراك الناس في المتواترات أكثر من اشتراكهم في الحسيات، فما يدرك بالحواس فإنه يتص بمن أحسه. فإذا قال رأيت أو سمعت أو ذقت أو لمست أو شممت، فكيف يمكنه أن يقيم من هذا برهانًا على غيره؟ ولو قدر أنه شاركه في تلك الحسيات عدد فلا يلزم من ذلك أن يكون غيرهم أحسها، ولا يمكن علمها لمن لم يحسها إلا بطريق الخبر.

فليس من الضروري اشتراك جميع الناس في تجارب فرد أو عدد من الأفراد لمعرفة صدق التجربة، بل غاية الأمر أن تنقل التجربة في ذلك عن بعض الأطباء -مثلًا- أو بعض أهل الحساب، إذ عامة المجربات لا يعرفها أكثر الناس إلا بالنقل فإنه قد يتواتر عند هؤلاء؛ ويجرب هؤلاء ما لم يتواتر عند غيرهم ويجربوه مثل العلم بوجود مكة، أو وجود البحار، ووجود الأنبياء، فإن هؤلاء تواتر خبرهم إلى الناس عامة، ولا حاجة إلى إقامة الدليل على وجودهم بالنسبة لكل شخص بمفرده.

فالله سبحانه يثبت وجود جنس الأنبياء ابتداءًا كما في السور المكية حتى يثبت وجود هذا الجنس، وسعادة من اتبعه، وشقاء من خالفه. ثم نبوة عين هذا النبي تكون ظاهرة، لأن الذي جاء به أكمل مما جاء به جميع الأنبياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت