فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 80

ولهذا لما قالوا عن محمد إنه شاعر؛ وقالوا إنه كاهن، ذكر الله تعالى الفرق بين هذين وبين النبي، فقال: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ، يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ) [الشعراء: 221 - 223] ثم قال: (وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) [الشعراء: 224 - 226] .

ولهذا لما عرض الكفار على كبيرهم أن يقولوا للناس هو شاعر ومجنون وساحر وكاهن، صار يبين لهم أن هذه الأقوال فاسدة، وأن الفرق معروف بينه وبين هذه الأجناس.

فالمقصود أن هذه الأجناس كلها موجودة في الناس معتادة معروفة، وكل واحد منها يعرف بخواصه المستلزمة له، وتلك الخواص آيات له مستلزمة له. فكذلك النبوة، لها خواص مستلزمة لها تعرف بها، وتلك الخواص خارقة لعادة غير الأنبياء -وإن كانت معتادة للأنبياء- فهي لا توجد لغيرهم.

فإذا أتى مدعي النبوة بالأمر الخارق للعادة الذي لا يكون إلا لنبي -لا يحصل مثله لساحر ولا كاهن ولا غيرهما- كان دليلًا على نبوته.

بل طريق معرفة الأنبياء كطريق معرفة نوع من الآدميين خصهم الله بخصائص، يُعرف ذلك من أخبارهم واستقراء أحوالهم، كما يعرف الأطباء والفقهاء.

ولهذا إنما يقرر الرب تعالى في القرآن أمر النبوة وإثبات جنسها بما وقع في العالم من قصة نوح وقومه، وهود وقومه وصالح وقومه، وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى وغيرهم.

فيذكر وجود هؤلاء وأن قومًا صدقوهم وقومًا كذبوهم ويبين حال من صدقهم، وحال من كذبهم، فيعلم بالاضطرار حينئذ ثبوت هؤلاء، ويتبين وجود آثارهم في الأرض. فمن لم يكن رأي في بلدة آثارهم فليسر في الأرض ولينظر آثارهم، وليسمع أخبارهم المتواترة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت