فهرس الكتاب
والآيات القرآنية في هذا كثيرة تذكر أن جميع الأنبياء جاءوا بالآيات التي تعلم دلالتها بالعقل.
فإن الرسول لا بد أن يبين أصول الدين؛ وهي البراهين الدالة على أن ما يقوله حق من الخبر والأمر؛ ووجوب طاعته في كل ما أوجب وأمر.
ومن الممتنع أن يرسل الله رسولًا يأمر الناس بتصديقه ولا يكون هناك ما يعرفون به صدقه.
وكذلك من قال إني رسول الله؛ فمن الممتنع أن يجعل مجرد الخبر المحتمل للصدق والكذب دليلًا له، وحجة على الناس، هذا لا يظن بأجهل الخلق، فكيف بأفضل الناس.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) [البقرة: 159] ففي الهدى: بيان المعبود وما يعبد به. والبينات: فيها بيان الأدلة والبراهين على ذلك.
فليس ما يخبر به ويأمر به من الهدى، قولًا مجردًا عن دليله، ليؤخذ تقليدًا واتباعًا للظن؛ بل هو مبين بالآيات البينات؛ وهي الأدلة اليقينية والبراهين القطعية.
وقال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة: 150] فهو يهدي الناس إلى صراط مستقيم. وهو بينات: دلالات وبراهين من الأدلة الهادية المبينة للحق. ومن الفرقان: المفرق بين الحق والباطل، بين البينات والحجج الصحيحة، والمعارضات والشبهات الفاسدة.
وهذا وأمثاله كثير، يبين أن في القرآن الأدلة الدالة للناس على تحقيق ما فيه من الأخبار والأوامر.
وإذا وجب أن يؤخذ عن الأنبياء ما أخبروا به من أصول الدين ومن تصديق خبرهم، فلأن يؤخذ عنهم ما بينوا به تلك العقائد من الآيات والبراهين أولى وأحرى وإلا فتصديق الحبر يتوقف على دليل صحته؛ أو على صدق المخبر به.