فهرس الكتاب
ومنهم من يهتدي بمعرفته بحاله صلى الله عليه وسلم وما فطر عليه من كمال الأخلاق والأوصاف والأفعال؛ وأن عادة الله أن لا يخزى من قامت به تلك الأوصاف والأفعال، لعلمه بالله ومعرفته به وأنه لا يخزى من كان بهذه المثابة؛ كما كانت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها. وكذلك أبو بكر الصديق وزيد بن حارثة وورقة بن نوفل وغيرهم، علموا صدقه صلى الله عليه وسلم علمًا ضروريًا لما أخبرهم بما جاء به وقرأ عليهم ما أنزل عليه وما يعرفون من صدقه وأمانته. وكذلك حال هارون مع موسى آمن به لما أخبره أن الله أرسله وأنه أمره أن يؤازره فصدقه لما يعلم من حاله قديمًا وقبل أن يظهر له الآيات.
وكثير من الناس يعلم صدق المخبر بلا آية البتة، بل إذا أخبره -وهو خبير بحاله أو بحال ذلك المخبر به أو بهما- علم بالضرورة إما صدقه وإما كذبه فمن كان يعلم صدق موسى والمسيح ومحمد وغيرهم؛ وأنهم لا يكذبون في أخف الأمور -فكيف بالكذب على الله- إذا أخبرهم أحدهم بما جاءه من الوحي والرسالة، وما غاب من الملائكة؛ فإنه يجزم بصدقه من غير آية؛ لا سيما إن كان ما يقوله لهم مما يؤيد صدقه.
وهذه المقامات عجز عندها أكثر الخلق، فاحتاجوا إلى الآيات والخوارق المشهودة بالحس، فأمن كثير منهم عليها.
وأضعف الناس إيمانًا من كان إيمانه صادرًا من المظهر ورؤية غلبته صلى الله عليه وسلم للناس؛ فاستدلوا بذلك المظهر والغلبة والنصر على صحة الرسالة.
فإن دلائل الصدق والكذب لا تنحصر؛ كدلائل الحب والبغض، هي كثيرة جدًا؛ وهذا يعرفه من جرّب عادات الناس.
ولهذا كانت طرق الهداية كثيرة ومتنوعة؛ رحمة من الله بعباده ولطفًا بهم؛ لتفاوت عقولهم وأذهانهم وبصائرهم [1] .
(1) الفتاوى جـ2 ص3 - النبوات ص44، 58، 176، 214، 227، 238، 266، 273، 282، 308، 338 - مفتاح دار السعادة جـ 2 ص12.