فهرس الكتاب
فإن نفس كون الإنسان حادثًا بعد أن لم يكن، ومولودًا ومخلوقًا من نطفة، ثم من علقة؛ هذا لم يعلم بمجرد خبر الرسول؛ بل هذا يعلمه الناس كلهم بعقولهم، سواء أخبر به الرسول أو لم يخبر؛ لكن الرسول أمر أن يستدل به؛ ودل عليه وبينه واحتج به.
فهو دليل شرعي لأن الشارع استدل به، وأمر أن يستدل به، وهو عقلي لأنه بالعقل تعلم صحته. فهو عقلي شرعي.
وكذلك غير ذلك من الأدلة التي في القرآن؛ مثل الاستدلال بالسحاب والمطر. هو مذكور في القرآن في غير موضع؛ وهو عقلي شرعي.
فالآيات التي يريها الناس حتى يعلموا أن القرآن حق؛ هي آيات عقلية، يستدل بها العقل على أن القرآن حق. وهي شرعية، دل الشرع عليها وأمر بها. والقرآن مملوء من ذكر الآيات العقلية التي يستدل بها العقل. وهي شرعية لأن الشرع دل عليها وأرشد إليها.
وأصول الدين الذي بعث الله به رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم قد بينها الله في القرآن أحسن بيان. وبين دلائل الربوبية والوحدانية ودلائل أسماء الرب وصفاته. وبيّن دلائل نبوة أنبيائه وبين المعاد: بيّن إمكانه، وقدرته عليه، في غير موضع؛ وبيّن وقوعه؛ بالأدلة السمعية والعقلية.
والمقصود هنا أن ما جاء به الرسول يدل عليه السمع والعقل؛ فإن الذي بعث الله به محمدًا وغيره من الأنبياء هو حق وصدق؛ وتدل عليه الأدلة العقلية، فهو ثابت بالسمع والعقل. والذين خالفوا الرسل ليس معهم لا سمع ولا عقل.
ولهذا لم يكن من شرط الإيمان بالأنبياء وجود الآيات، بل قد يعلم صدقهم بدون ذلك فمن الناس من يهتدي بنفس ما جاء به الرسول، وما دعا إليه؛ ويكون ذلك عنده هو دليل صدقه وبرهان رسالته، دون أن يطلب منه برهانًا خارجًا عن ذلك كحال الكمل من الصحابة كالصديق رضي الله عنه.