يَنْكَشِفُ مِنْ هذا أَنَّ العَرَبِيَّةَ لا تُجَوِّزُ مَجيءَ (إِنَّ) صَدْرَ كُلِّ مَقولٍ كانَ هذا شَأْنَهُ، عَلامَةُ ذلِكَ أَنَّكَ إِنْ رُحْتَ تُحاوِلُ إِنْشاءَ جملٍ عَلى غِرارِ الأساليبِ الوارِدَةِ في تِلْكَ الآياتِ، واضِعًا (إِنَّ) أَوَّلَ المَقول، وَجَدتَ دونَ الأَمْرِ خَرْطَ القَتادِ: (*قالَ الرَّجُلُ الغَريبُ لي: إِنَّ ما اسْمُكَ؟) ، (*قالَتْ الأُمُّ لابْنَتِها: إِنَّ إِنْ تَأْتِ مَعي فَسَوْفَ أُكافِئُكَ) ... ، وَهكذا دَوالَيْك.
القُرْآنُ: كَلامٌ هُوَ أَمْ قَوْل؟ أَوْ: القُرْآنُ بَيْنَ"الكَلامِيَّةِ الإلهِيَّةِ"وَ"القَوْلِيَّةِ الرَّسولِيَّةِ"
لَعَلَّ مِنْ أَدَلِّ الدَّليلِ -عِنْدي- عَلى شِدَّةِ التَّعالُقِ بَيْنَ الفِعْلِ (قالَ) وَعَمَلِيَّةِ النَّقْلِ الحَرْفِيِّ اللفْظِيِّ الدَّقيقِ لِلْكَلامِ في أَذْهانِ العَرَب، وَاخْتِصاصِهِ بِها أَكْثَرَ مِنْ عَمَلِيَّةِ النَّقْلِ المَعْنَوِيِّ المَضْمونِيِّ المُتَصَرَّفِ فيهِ، أَنَّ الحَقَّ -سُبْحانَهُ- بَعْدَ أَنْ يُسَمِّيَ القُرْآنَ"كَلامَ اللهِ"في القُرْآنِ نَفْسِهِ [1] ، وَهُوَ ما عَلَيْهِ النّاسُ حينَما يَقولونَ:"القُرْآنُ كَلامُ اللهِ"بَدَلًا مِنْ:"القُرْآنُ قَوْلُ اللهِ" [2] ، نَجِدُهُ -جَلَّ وَعَلا- يَصِفُ القُرْآنَ في القُرْآنِ بِأَنَّهُ"قَوْلُ رَسولٍ كَريمٍ". وَذلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: أَحَدهما في"التَّكْوير"، وَالآخَر في"الحاقَّة":
- {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسولٍ كَريمٍ [3] ذي قُوَّةٍ عِنْدَ ذي العَرْشِ مَكينٍ. مُطاعٍ ثَمَّ أَمينٍ ... وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجيمٍ} [4] .
- {فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرونَ. وَما لا تُبْصِرونَ. إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسولٍ كَريمٍ [5] وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَليلًا ما تُؤْمِنونَ. وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَليلًا ما تَذَكَّرونَ} [6] .
وَتَفْسيرُ الانْتِقالِ بِوَصْفِ القُرْآنِ مِن"الكَلامِيَّةِ الإلهِيَّةِ"إِلى"القَوْلِيَّةِ الرَّسولِيَّةِ"-بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ كُنْهِ الرَّسول وَمَنْ يَكون- مُرْتَبِطٌ بِنَظْرَتِنا إِلى مَصْدَرِ القُرْآنِ المَنْقولِ عَنْهُ القُرْآنُ، وَهُوَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَتَمْييزِهِ مِنْ ناقِلِ القُرْآنِ الذي هُوَ الرَّسولُ الكَريم، سواء كانَ المَلَكَ أَو الرَّسولَ مُحَمَّدًا. فَالقُرْآنُ الكَريمُ -بِالنَّظَرِ إِلى قائِلِهِ، قَبْلَ نَقْلِهِ بِوَساطَةِ المَلَكِ الأَمين أَو الرَّسولِ الكَريم إِلى البَشَرِ- هُوَ:"كَلامُ اللهِ"الصّادِرُ عَنْهُ. وَلكِنَّ"كَلامَ اللهِ"ما إِنْ دَخَلَ دائِرَةَ"الحِكايَةِ"، وَذلِكَ بِالنَّقْلِ الحَرْفِيِّ الدَّقيقِ المَضْبوطِ مِن اللهِ عَبْرَ الرَّسولِ المَلَكِ إِلى الرَّسولِ النَّبِيِّ، أَوْ عَبْرَ الرَّسولِ مُحَمَّدٍ إِلى البَشَر، حَتّى اسْتَحالَ"الكَلامُ""قَوْلًا"، أَيْ مَنْقولًا. فَلَقَدْ يَصِحُّ القَوْلُ: إِنَّ نَقْلَ القُرْآنِ عن اللهِ قَدْ صَيَّرَ الكَلامَ قَوْلًا، أَيْ مَنْقولًا بِدِقَّةٍ كامِلَة، وَعِنايَةٍ فائِقَة، وَأَمانَةٍ مُتَناهِيَة.
بِطَريقَةٍ أُخْرى: لَمّا قامَ الأَمينُ جِبْريلُ -عَلَيْهِ السَّلامُ- بِحِكايَةِ القُرْآنِ وَنَقْلِهِ عَنْ رَبِّ العِزَّةِ، وَإيصالِهِ مِنْ بَعْدُ إِلى الرَّسولِ -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِكُلِّ دِقَّةٍ وَتَجَرُّدٍ وَأَمانَةٍ، غَدا جِبْريلُ ناقِلًا، وَاللهُ -تَنَزَّهَ اسْمُهُ- مَنْقولًا مِنْهُ
(1) في قَوْلِهِ -تَعاظَمَتْ أَسْماؤُهُ-: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} (التَّوبة 9: 6) .
(2) انظر: ابن جنّيّ، الخصائص، ج 1، ص 19.
(3) الأكثرونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالرَّسولِ الكَريمِ هنا جبريل -عليه السَّلام-، والله -تَعالى- أعلم. ذلِكَ أَنَّهُ لَمّا قالَ: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسولٍ كَريمٍ} قالَ بَعْدَهُ: {وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجيمٍ} ، فَصَحَّ المَعْنى:"إِنَّهُ قَوْلُ مَلَكٍ كَريمٍ، لا قَول شَيْطان رَجيم" (الرّازيّ، فخر الدّين محمَّد بن عمر(ت 604 هـ) ، التَّفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، ط 1، دار الكتب العلميَّة - بيروت، 1421 هـ - 2000 م، ج 30، ص 103).
(4) التَّكوير 81: 19 - 25.
(5) المُرادُ مِنهُ على رأي الأكثرين محمَّد -صلى الله عليه وسلَّم-، واحتجّوا بِأَنَّهُ لَمّا قالَ:"إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسولٍ كَريمٍ""ذَكَرَ بَعْدَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلِ شاعِرٍ، وَلا كاهِنٍ، وَالقَوْمُ ما كانوا يَصِفونَ جِبْريلَ -عَلَيْهِ السَّلامُ- بِالشِّعْرِ وَالكهانَةِ، بَلْ كانوا يَصِفونَ مُحَمَّدًا بِهذَيْنِ الوَصْفَيْنِ"(الرّازيّ، التَّفْسير الكبير أَو مَفاتيح الغيب، ج 30، ص 103.
(6) الحاقَّة 69: 38 - 42.