الصفحة 7 من 39

وَأَرى ضَرورَةَ أَنْ يُضافَ إِلى ما سَبَقَ مِنْ مُصْطَلَحاتٍ، وَلكِنْ بَعيدًا عَنْ الأَطْرافِ الرَّئيسَةِ اللازِمِ وُجودُها لِتَحَقُّقِ عَمَلِيَّةِ نَقْلِ الكَلامِ، مُصْطَلَحُ"العِبارَة القَوْلِيَّة" [1] ، الذي أَعْني بِهِ كُلَّ ما يَسْبِقُ المَقولَ المَنْقولَ، أَيْ: فِعْلَ القَوْلِ مُسْنَدًا إِلى القائِلِ.

النَّمَطانِ التَّرْكيبِيّان:(قالَ عَمْرو: إِنَّني مُنْطَلِقٌ)وَ(قالَ عَمْرو إِنَّهُ مُنْطَلِقٌ)

أقولُ: أَنْ يَكونَ فعلُ القولِ (قالَ) لِما نُقِلَ مِن الكلامِ حِكايةً، هو الأصل. على أَنَّهُ ينبغي أنْ لا يُفْهَمَ مِنْ هذا أَنَّ العربيَّةَ لم تعرفْ (قالَ) المُوَظَّفَ لغرضِ نقلِ الكلامِ غيرِ المَحكِيِّ (المُتَصَرَّفِ فيه) . أمارةُ هذا أَنَّ"يونُسَ"قد ذَكَرَ -في سياقِ إِجابتِهِ عن سؤالِ سيبويه المتعلِّقِ بِصِحَّةِ فتح الهمزةِ في: (مَتى تَقولُ أَنَّهُ مُنطلِقٌ؟) - أَنَّكَ"تَقولُ: قالَ عمروٌ إِنَّهُ منطلِقٌ. فإِنْ جعلتَ الهاءَ عَمْرًا أو غيرَهُ فلا تَعْمَلُ (قالَ) ، كما لا تَعْمَلُ إذا قلتَ: قالَ عمروٌ هو منطلقٌ. فَ (قالَ) لم تَعْمَلْ ها هنا شيئًا وإِنْ كانت الهاءُ هي القائلَ، كما لا تَعْمَلُ شيئًا إِذا قلتَ (قالَ) وأَظْهَرْتَ (هو) " [2] .

معنى ذلك أَنَّكَ إِذا قَصَدتَ بالهاءِ عَمْرًا في قولِكَ: (قالَ عَمْروٌ إِنَّهُ منطلِقٌ) ، كانَ كلامُ عمروٍ المنقولُ على غيرِ الوجهةِ التي بِها صَدَرَ مِنهُ، لأنَّ عَمْرًا عندَما أَخبرَكَ بانطِلاقِهِ لا جَرَمَ أَنَّهُ عَبَّرَ عن نفسِهِ بصيغةِ المتكلِّمِ: (إِنَّني مُنْطَلِقٌ) . وعليهِ فإِنَّكَ إِذا نقلتَ كلامَهُ حِكايةً قلتَ نَحْوًا مِنْ: (قالَ عَمْروٌ إِنَّني مُنْطَلِقٌ) ، وهذا مِثْلُ قولِ اللهِ -جَلَّ وعلا- حِكايةً عن عيسى -عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ-: {قالَ إِنّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الكِتابَ وَجَعَلَني نَبِيًّا} [3] . وأَمّا إِذا قلتَ: (قالَ عَمْروٌ إِنَّهُ مُنْطَلِقٌ) بِعَودَةِ الهاءِ إِلى عَمْروٍ، كنتَ ناقِلًا الكلامَ بِالمعنى دونَ الالتزام بالألفاظ.

وَيبدو لي أنَّ النمطَ التَّرْكيبِيَّ (قالَ عَمْرو إنَّهُ مُنْطَلِقٌ) ، الذي يَكونُ فيهِ ضميرُ الغيبةِ المُتَّصِلُ راجِعًا إلى القائلِ نفسِهِ، مُحدَثٌ مُطَوَّر، لا يُمَثِّلُ الأَصْلَ، وَلا نكادُ نعثُرُ عليهِ في عصورِ العربيَّةِ الأولى. إِذْ عَلى كَثْرَةِ التَّنْقيبِ وَالتَّقْليبِ والانْشِغالِ بالبحث عنه والاهتمام به، فإنَّ شواهدَهُ تَظَلُّ عزيزةَ المَطْلَبِ نادِرَة. وَالنَّمَطُ الذي كُتِبَ لَهُ الشُّيوعُ في عَرَبِيَّةِ التُّراثِ هو ما كانَ على ضَرْبِ: (قالَ عَمْرو إِنَّني مُنْطَلِقٌ) .

بيدَ أَنَّ اللغةَ -في عصورٍ لاحقةٍ- قد عَكَسَت الأَمْرَ فيما أحسب، فشرَعَت تَطَّرِحُ النمطَ (قالَ عَمْرو إِنَّني مُنْطَلِقٌ) ، الذي هو على إيقاعِ"قالَ إِنّي عَبْدُ اللهِ"، فيما أَخَذَت تُذيعُ النمطَ الآخَرَ (قالَ عَمْرو إنَّهُ مُنْطَلِقٌ) . وَلِذلِكَ نَجِدُ أَنَّ النَّمَطَ (قالَ عَمْرو إنَّهُ مُنْطَلِقٌ) شائعٌ في العربيَّةِ الفصحى المُعاصِرة خِلافَ ما عَلَيْهِ الحالُ في عَرَبِيَّةِ التُّراث [4] .

(1) يَحْلو لِبَعْضِ اللغويّين مِمّنْ التقيتُهُم -في غَيْرِ دَوْلَةٍ عَرَبِيَّةٍ- أنْ يُخَطِّئَ الإِتْيانَ بِالعِبارَةِ القَوْلِيَّةِ بعد المقول، كَقَوْلِ مَنْ قالَ: ("سأذهبُ الآنَ بسرعةٍ"، قالَ عليٌّ) ، وهُوَ تَرْكيبٌ كُتِبَ لَهُ الشُّيوعُ مُبَكِّرًا في لُغَةِ الرِّوايَةِ. والحَقُّ أَنَّني أستحِبُّ تصويبَهُ، إذ هو -في فَهْمي- على تقدير"كذلك"في أَوَّلِ العِبارَةِ القَوْلِيَّةِ، فَيَكونُ المُرادُ: ("سأذهبُ الآنَ بسرعةٍ"، كذلك قالَ عليٌّ) . وَأَجِدُ هذا التَّقْديرَ مَقْبولًا في العربيَّةِ غَيْرَ مُخَطَّأٍ بِالمَرَّة، ذلك أنَّهُ مَنسوجٌ على مِنوالِ قولِ المولى -تعالى وتقدَّسَ-:"قُلْ لَنْ تَتَّبِعونا. كَذلِكُمْ قالَ اللهُ" (الفتح 48: 15) . وقد يَكونُ داخِلًا في هذا، ما وَرَدَ في صحيحِ مسلم، عندما سألَ الرسولُ -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أخًا لقتيلٍ قَيَّدَ قاتِلَ أخيهِ بنِسْعةٍ:"أما تُريدُ أنْ يَبوءَ بإثمِك وإثمِ صاحبِكَ؟ قال: يا نبيَّ الله (لعلَّهُ قالَ) ، بلى". فالقول هنا جاءَ تالِيًا لمقولِهِ، إذ إنَّ الأصل أن يَكونَ الأمر على النحو:"لعلَّهُ قال: يا نبيَّ الله" (مُسْلِم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج(ت 261 هـ) ، صحيح مسلم، تحقيق: محمَّد فؤاد عبد الباقي، ط 1، دار الحديث - القاهرة، 1412 هـ/1991 م، كتاب: القسامة، باب: صحَّة الإقرار بالقتل وتمكين وليّ القتيل من القصاص واستحباب طلب العفو منه، ج 3، ص 1307، رقم الحديث: 1680).

(2) سيبويه، الكِتاب، ج 3، ص 142 - 143.

(3) مريم 19: 30.

(4) لَمْ أُصِبْ مِثالًا واحِدًا فيما قرأتُ مِنْ كُتُبِ التُّراثِ الأَدَبِيِّ وَالنَّقْدِيِّ جاءَ عَلى نَمَطِ: (قالَ عَمْرو إِنَّهُ مُنْطَلِقٌ) ! فَكُلُّ المَعْثورِ عَلَيْهِ -في هذا الصَّدَدِ- آتٍ عَلى إيقاعِ: (قالَ عَمْرو: إِنَّني مُنْطَلِقٌ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت