يَتَمَلَّكُ المَرْءَ عَجَبٌ شَديدٌ مِنْ سَوْقِ السّيرافِيّ -في كَلامِهِ المُتَقَدِّمِ [1] - هذا المِثالَ: (؟ قالَ عَمْرو هُوَ مُنْطَلِقٌ) [2] ، فَصِحَّةُ تَرْكيبِ هذهِ الجُمْلَةِ تُعَدُّ في أَحْسَنِ الأَحْوالِ أَمْرًا مَشْكوكًا فيهِ، أَوْ لِيُقَلْ: إِنَّهُ لا دَليلَ عَمَلِيًّا يُصَوِّبُ هذا التَّرْكيب، وَإِنْ وُجِدَ مِثْلُ هذا الدَّليلِ فَعَلى قِلَّةٍ وَنُدْرَة. بِطَريقَةٍ أُخْرى: يُهَيَّأُ لي بِأَنَّ العربيَّةَ لا تُصَوِّبُ هذا التَّرْكيبَ القَوْلِيَّ، وَإِنْ كانَتْ تُصَوِّبُهُ فَهِيَ -في الأَقَلِّ- لا تَسْتَسيغُ طَرْدَهُ [3] . ذلِكَ أَنَّ العَرَبِيَّةَ -في حُدودِ الاسْتِقْراء المَنْقوص، وَتَمَرُّسِ الباحِثِ بِالنُّصوصِ-، تَشْتَرِطُ إِنْ تَصَدَّرَ الضَّميرُ -أَيُّ ضَميرٍ، ("هُوَ"في المِثال) - جُمْلَةَ مَقولِ القَوْلِ، وَكانَ عائِدًا إِلى قائِلِ القَوْلِ نَفْسِهِ ("عَمْرو"في المِثال) ، وَكانَ الضَّميرُ وَمَرْجِعُهُ مُتَّحِدَيْنِ مِنْ جِهَةِ الشَّخْص: (المُخاطَب، والمُتَكَلِّم، وَالغائِب) - تَشْتَرِطُ اللغَةُ عِنْدَئِذٍ أَنْ تُجْتَلَبَ الأَداةُ (إِنَّ) أَوْ (بِأَنَّ) ، لِتَفْصِلَ أَوْ تُباعِدَ ما بَيْنَ الضَّميرِ المُتَصَدِّرِ أَوَّلَ المَقولِ، وَالقائِلِ في العِبارَةِ القَوْلِيَّةِ، لِيَؤولَ المِثالُ إِلى: (قالَ عَمْرو إِنَّهُ مُنْطَلِقٌ / قالَ عَمْرو بِأَنَّهُ مُنْطَلِقٌ) .
يُمْكِنُ القَوْلُ -بِعِبارَةٍ أُخْرى-: لا تَسْمَحُ العَرَبِيَّةُ بِأَنْ يُباشِرَ فِعْلُ القَوْلِ ضَميرًا يَعودُ إِلى القائِلِ، شَرْطَ أَنْ يَكونا مِنْ دَرَجَةٍ واحِدَةٍ مِنْ حَيْثُ الخِطابُ والتَّكَلُّمُ وَالغَيْبَةُ: (مُخاطَب - مُخاطَب) ، (مُتَكَلِّم - مُتَكَلِّم) ، (غائِب - غائِب) . فَلا يُقال: (؟ قالَ عَمْرو هُوَ مُنْطَلِقٌ) ، كَما لا يُقالُ: (؟ قُلْتُ: أَنا مُسافِرٌ) ، وَلا: (؟ قُلْتَ: أَنْتَ مُسافِرٌ) ، وَلا: (؟ قالَ: هُوَ مُسافِرٌ) . بَلْ يُقالُ في ذلِكَ كُلِّهِ عَلى التَّوالي: (قالَ عَمْرو إِنَّهُ مُنْطَلِقٌ) ، وَ (قُلْتُ إِنَّني مُسافِرٌ) ، وَ (قُلْتَ إِنَّكَ مُسافِرٌ) ، وَ (قالَ إِنَّهُ مُسافِرٌ) . فَأَحْسَبُ أَنَّ إِقْحامَ (إِنَّ) في هذا المَوْطِنِ التَّرْكيبِيِّ قاعِدَةٌ إِجْبارِيَّةٌ في العربيَّةِ لا اخْتِيارِيَّة:
؟ قالَ عَمْرو هُوَ مُنْطَلِقٌ.
قالَ عَمْرو إِنَّهُ / بِأَنَّهُ مُنْطَلِقٌ.
تَطابُق: إِشْكال: فَصْل بِإِقْحام (إِنَّ)
عَلى أَنَّ ثَمَّةَ تَدْبيرًا تَرْكيبِيًّا آخَرَ تَسْمَحُ بِهِ اللغَةُ، يَتَمَثَّلُ في مَجيءِ الضَّميرِ الواقِعِ مِن المَقولِ صَدْرًا مُخالِفًا في جِهَتِهِ لِلْقائِلِ، فَيُضْحي التَّرِكيبُ المَرْفوضُ: (؟ قالَ عَمْرو هُوَ مُنْطَلِقٌ) مَقْبولًا عَلى النَّحْوِ: (قالَ عَمْرو: أَنا مُنْطَلِقٌ) . فَجِهَةُ (عَمْرو) الغَيْبَةُ (هُوَ) ، وَجِهَةُ الضَّميرِ (أَنا) التَّكَلُّمُ. فهذا التَّغايُرُ يَرْفَعُ المَحْظورَ المَوْصوفَ آنِفًا:
قالَ عَمْرو: أَنا مُنْطَلِقٌ.
(1) الذي قالَ فيهِ:"حَقُّ الحِكايَةِ أَنْ تَقولَ: (قالَ عَمْرو: إِنّي مُنْطَلِقٌ) . وَكَذلِكَ إِذا قُلْتَ: (قالَ عَمْرو هُوَ مُنْطَلِقٌ) ". (سيبويه، الكتاب، ج 3، ص 143، الحاشية الأولى) .
(2) تَعْني إِشارَةُ الاسْتِفْهامِ الواقِعةُ قَبْلًا أَنَّ التَّرْكيبَ مِمّا هُوَ مَشْكوكٌ في صِحَّتِهِ.
(3) وَقَدْ ذَهَبَ السُّيوطِيُّ مَذْهَبًا مُشابِهًا (السُّيوطيّ، جلال الدّين عبد الرَّحمن بن أبي بكر(ت 911 هـ) ، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، تحقيق: أحمد شمس الدّين، ط 1، دار الكتب العلميَّة، بيروت - لبنان، 1418 هـ - 1998 م، ج 1، ص 502)، حينَما نَصَّ عَلى أَنَّكَ"إِذا حَكَيْتَ كَلامَ مُتَكَلِّمٍ عَنْ نَفْسِهِ نَحْوَ: (انْطَلَقْتُ) ، فَلَكَ أَنْ تَحْكِيَهُ بِلَفْظِهِ فَتَقولَ: (قالَ فُلانٌ: انْطَلَقْتُ) ، وَلَكَ أَنْ تَقولَ: (قالَ فُلانٌ: انْطَلَقَ) ، أَوْ (إِنَّهُ انْطَلَقَ) ، وَ (هُوَ مُنْطَلِقٌ) ".