1 -قالَ المولى الحقُّ -تبارَكَ-: {وَيَسْتَأْذِنُ فَريقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقولونَ: إنَّ بُيوتَنا عَوْرَةٌ، وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إنْ يُريدونَ إلا فِرارًا} [1] .
في الآيةِ ملحظٌ طريفٌ، مؤدّاهُ أنَّ الآية تنطوي على الكلام المنقول بنصِّهِ (المَحْكِيِّ حِكايَةً) ، والآخر المنقولِ بمعناه (المُخْبَرِ إِخْبارًا) . غيرَ أنَّ الكلامَ المُخْبَرَ هو السابق في الآية. فكلامهم المَحْكِيُّ الذي ينقلُهُ عنهم الله -جلَّ في عُلاهُ- هو: {إنَّ بيوتَنا عورة} ، لكنَّ اللهَ قد سبقَ كلامَهم هذا المنقولَ بكلامٍ آخر عبَّرَ عنه بالاستئذان، وذلك على نحو ما هو آتٍ:
يقولون: {إنَّ بيوتَنا عورة} ---< حِكايَة
{يستأذن فريقٌ منهم} ---< إِخْبار
وبذا يكونُ الله الحقّ قد حَوَّلَ كلامهم من الحِكايَةِ، الذي هو: {إنَّ بيوتنا عورة} ، وعبَّرَ عنهُ بطريقةِ الإِخْبارِ: {يستأذن} . والعلاقة الرابطة بين جملتي: {يستأذن فريقٌ منهم النبيَّ} و {يقولونَ إنَّ بيوتَنا عورةٌ} تومئ إلى صحَّةِ ما ننادي به، إذ إنَّها -العلاقة- قائمة على التفسيرِ والتبيين والتوضيح والبدل.
وقد يكونُ داخلًا في مِثْلِ هذا أنْ يقولَ اللهُ -تَبارَكَ- عَنْ أَهْلِ الكَهْفِ إِنَّهُ بَعَثَهُمْ {لِيَتَساءَلوا بَيْنَهُمْ} ، وهذا لا يُعدُّ سِوى إيرادٍ لِمَضْمونِ الكَلامِ الذي دارَ بَيْنَهُمْ، ثمَّ يورِدَ كلامَهُمْ أَو السُّؤالَ الذي دارَ بَيْنَهُمْ بِنَصِّهِ، وهو {كَمْ لَبِثْتُمْ؟} : {وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلوا بَيْنَهُمْ، قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ: كَمْ لَبِثْتُمْ قالوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [2] .
والشيء عَيْنُهُ يُقالُ في الآيةِ: {وَإِذا سَمِعوا اللَغْوَ أَعْرَضوا عَنْهُ وَقالوا: لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغي الجاهِلينَ} [3] . إذ إنَّ قولَهُ: {أعرَضوا عنه} يمكِن أنْ يكونَ نقلًا بالمعنى والمضمون لقولِهِم التالي: {لنا أعمالُنا ولكم أعمالُكُم ... } . والذي قَدْ يَدُلُّ على أنَّ الإعراضَ لم يكن بالوجهِ أو الجسم إنَّما باللغةِ، هو أنَّه قالَ إنَّهم أعرضوا ثمَّ قالوا ما قالوه، فلو كانَ الإعراضُ بالوجهِ أو الجسم لما تسنّى لهم الحديثُ معهم بعد الإعراض. فالذي أفهمُهُ أنَّ الإعراضَ هو عين هذا الكلام ابتداءً، أَوْ أنَّ كلامَهُمُ الذي قالوهُ هُوَ -عَلى الأَقَلِّ- أوَّلُ الإِعْراض.
ويُمْكِنُ -بِسُهولَةٍ أَكْبَرَ- تَطْبيقُ النَّظَرِ نَفْسِهِ عَلى الكَلامِ المُبْرَزِ مِنْ قوله: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فقد سأَلوا موسى أَكبَرَ مِنْ ذلِكَ فقالوا أَرِنا اللهَ جَهْرَةً} [4] .
2 -وَرَدَت في سورةِ الفتح آيَةٌ أُشيرَ إِلَيْها سالِفًا، تستأهِلُ التأمُّلَ وَالتَّلَبُّثَ مِنْ زاوِيَةٍ أُخْرى: {سَيَقولُ المُخَلَّفونَ إِذا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذوها: ذَرونا نَتّبِعْكُمْ، يُريدونَ أنْ يُبَدِّلوا كلامَ اللهِ، قُلْ: لَنْ تَتَّبِعونا، كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قبلُ ... } [5] . كأنَّ الأمرَ جارٍ على وفاق الآتي: (قالَ اللهُ لن تتَّبعونا) .
وليسَ بخافٍ أنَّ اللهَ بالتأكيدِ لم يقل ابْتِداء:"لَنْ تَتَّبِعونا"، لأنَّ هذه القولة للمؤمنين الذين شهدوا صلح الحديبية وفتح خيبر، هم قالوا لأولئك الذين تخلَّفوا: {لن تتّبعونا} . والمفروض أنْ يكونَ اللهُ قد قالَ شيئًا مِنْ قَبيلِ: (إنَّهم لن يتّبعوكم) ، فقامَ المؤمنون بنقل كلام الله هذا نقلًا إخباريًّا. على النحو:
(1) الأحزاب 33: 13.
(2) الكهف 18: 19.
(3) القَصص 28: 55.
(4) النِّساء 4: 153.
(5) الفتح 48: 15.