الصفحة 34 من 39

الله -تَبارَكَ- للمؤمنين (عانِيًا المُنافِقين) :"لن يَتَّبعوكم".

====< المؤمنون للمنافقين: {لن تتَّبعونا} .

ولكن، من المشروع جدًّا أنْ يبحثَ المرءُ عن السياق القُرْآنِيِّ الأصليّ الذي مِن الممكن أنْ يكونَ قد وَرَدَ فيه كلامُ ربِّنا -عَزَّ رَبًّا مَقْصودًا- بصورةِ كلامٍ مباشَرٍ للمؤمنين. أعني الصورة المباشَرَة للكلام الذي جاءَ على لسان المؤمنين حين خاطَبوا المُتَخَلِّفينَ عن القتال بقولِهِم:"لن تَتَّبِعونا".

وقد قيلَ في هذا الصدد: إنَّ المُرادَ بذلك هو قولُ اللهِ -سبحانه-: {فإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إلى طائفةٍ مِنهُمْ فاستأذَنوكَ للخروجِ فقُلْ لن تَخرُجوا معيَ أبدًا ولن تُقاتِلوا معيَ عَدُوًّا إنَّكُم رَضيتُم بالقعودِ أولَ مرَّةٍ فاقعُدوا مع الخالِفين} [1] . وهو قولُ ابن زيدٍ وافقهُ عليهِ الجبائيُّ [2] . وقد شَنَّعَ عليهِما غيرُ واحدٍ"بأنَّ ذلك نازلٌ في المُخلَّفينَ في غزوةِ تبوك مِن المنافقين. وكانت الغزوةُ يومَ الخميس في رجب سنة تسع بلا خلاف، كما قالَ القسطلانيّ. والحُدَيبية سنة ستٍّ كما قالَهُ ابنُ الجوزيِّ وغيرُهُ. وهذه إنَّما نَزَلَتْ بُعَيْدَ الانصِرافِ مِن الحُدَيبية كما علمتَ" [3] .

ولقد انتُصِرَ لِرَأي ابن زيدٍ بالقول:"لعلَّ القائلَ بذلك أرادَ أنَّ هؤلاء المُخَلَّفين لمّا كانوا منافقين مثل المُخلَّفين عن تبوك كانَ حُكْمُ الله فيهِم واحِدًا. ألا ترى أنَّ المعنى الموجب مشترَك، وهو رضاهُم بالقعودِ أوَّلَ مَرَّةٍ. فكلامُ اللهِ -تعالى- أريدَ بهِ حُكمُهُ السابق وهو أَنَّ المنافق لا يُسْتصْحَبُ في الغزو. ولم يُرِد أنَّ هذا الحُكمَ مُنقاسٌ على ذلك الأصل أو الآية نازلة فيهِم أيضًا" [4] .

ولكنَّ الذي عليهِ عامَّة المُفسِّرين أنَّ المُرادَ بالغنائم مغانمُ خيبر [5] . وقد استدلَّ الألوسيّ على صواب ما جاءَ لدى عامَّةِ المفسِّرين بالسين التي في (سيقولُ ... ) ، إذ هي دالَّةٌ -كما يقولُ- على القرب،"وخيبر أقرب المغانم التي انطلقوا إليها مِن الحُدَيبية كما علمتَ. فإرادتها كالمتعيّنة" [6] .

بيدَ أنَّ إجماعَ المفسِّرين هو الآخر يطرَحُ إشكالًا. فإذا كانَ المقصودُ بالغنائم غنائمَ خيبر، فأين يُمكِنُ أنْ يَكونَ قد وَرَدَ كلامُ اللهِ أو وعدُهُ لأهل الحُدَيبية بأنَّ غنائمَ خيبر لِمَنْ شَهِدَ الحُدَيبية؟!

لم أجدْ مَنْ نَصَّ على ذلك الموطن صراحة، وهو أمرٌ مُسْتغرَبٌ عندي جِدًّا. فإذا كانَ تعيينُ ابن زيدٍ للموطن القرآنيّ غيرَ مُقنِعٍ لهُمْ، فالأَوْجَهُ أنْ يُقدِّموا لنا موطنًا بديلًا يقولونَ بهِ، ولكنَّهُم اكتفَوْا بأنْ يقولوا:"إنَّما كانَتْ غنيمَةُ خيبر لِمَنْ شهِدَ الحديبية" [7] ، أو:"جاءَ في الأخبارِ الصحيحة أنَّ اللهَ -تعالى- وَعَدَ أهلَ الحديبية أنْ يُعَوِّضَهُمْ مِنْ مغانم مكة خيبر إذا قَفَلوا موادعين لا يصيبون شيئًا" [8] . ولم أستطِع العثورَ على ذلك في الأخبار الصحيحة كما قالَ، وإذا كانَ ذلك مذكورًا في الأخبارِ الصحيحةِ على ما يذكرُ فلِمَ لمْ يُعيِّنْها أو يَذكرْها؟!

غيرَ أنَّنا واجِدونَ آية أخرى في السورة نفسِها -سورةِ الفتح- تقَعُ موقِعًا قريبًا من الآية موطن البحث هنا، ولا يفصِلُها عنها سوى ثلاث آياتٍ: لقد رضِيَ اللهُ عن المؤمنين إذ يبايِعونك تحتَ الشجرةِ فعلِمَ ما في

(1) التَّوبة 9: 83.

(2) الألوسيّ، روح المعاني في تفسيرِ القرآنِ العظيم والسَّبع المَثاني، ج 26، ص 101.

(3) السّابق نفسه.

(4) السّابق: ج 26، ص 101 - 102.

(5) انظر السّابق: ج 26، ص 101.

(6) السّابق نفسه.

(7) السّيوطِيّ، جلال الدّين عبد الرَّحمن بن أبي بكر (ت 911 هـ) ، الدُّرُّ المَنْثور في التَّفْسيرِ بِالمَأْثور، دار الفكر - بيروت، 1993، ج 7، ص 519.

(8) الألوسيّ، روح المعاني في تفسيرِ القرآنِ العظيم والسَّبع المَثاني، ج 26، ص 101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت