مِن سماتِ الكلامِ المَحْكِيِّ في لغةِ التنزيلِ العزيز أنْ يَرِدَ مَنقولًا في كثيرٍ مِن الأحيان دونَ واسطةٍ مِن فعلِ قولٍ رئيسٍ، أي أنْ يُنقَلَ دونَ فعل القول أو العبارة القوليَّة. قالَ الأُسْتاذ"عُضَيْمَة":"1 - جاءَ حَذْفُ القَوْلِ كَثيرًا في القُرْآنِ الكَريمِ، وَأَكْثَرُ حَذْفِ القَوْلِ فيما كانَ حالًا مُفْرَدَةً، أَوْ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً فِعْلُها مُضارِع."
2 -قُدِّرَ فِعْلُ القَوْلِ المَحْذوف مُضارِعًا وَأَمْرًا، وَفِعْلًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعولِ، ماضِيًا وَمُضارِعًا، وَقُدِّرَ القَوْلُ مَصْدَرًا في بَعْضِ المَواضِع" [1] ."
مِن ذلِكَ -مَثَلًا- قولُ مَولانا: {والذينَ اتَّخَذوا مِنْ دونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبونا إِلى اللهِ زُلْفى} [2] . عَلَّقَ سيبويه بقولِهِ:"كأَنَّهُ قالَ -واللهُ أَعْلَمُ-: قالوا ما نَعْبُدُهُم ... ومِثْلُ ذلك كثيرٌ في القرآنِ" [3] . ومِنْهُ، كذلك، قولُ الله -سبحانَهُ-: {وإِذْ أَخَذْنا ميثاقَ بَني إِسرائيلَ لا تعبدونَ إلا الله} [4] . قالَ العكبريُّ:"والتقدير: أَخَذْنا ميثاقَهُمْ قائلينَ كذا وكذا، وَحَذْفُ القولِ كثير" [5] . وَمِن ذلك، أَيْضًا، قولُهُ: {فَأَمّا الذينَ اسْوَدَّتْ وُجوهُهُم أَكَفَرْتُمْ} [6] . قالَ السُّيوطيّ:"الأصل: فيقالُ لَهُمْ: أَكَفَرْتُمْ، فَحَذَفَ القولَ استغناءً عنهُ بِالمَقول" [7] . وَمِنْهُ:
- {ولقد أرسَلْنا نوحًا إلى قومِهِ إِنّي لَكُمْ نَذيرٌ مُبينٌ} [8] .
- {ولو تَرى إذِ المُجرِمونَ ناكِسو رُؤوسِهِمْ عندَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وسَمِعْنا فارجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا موقِنون} [9] . أَيْ:"يَقولونَ: رَبَّنا" [10] .
(1) عضيمة، محمَّد عبد الخالق، دِراساتٌ لأُسْلوبِ القُرْآنِ الكَريمِ، دار الحديث، القسم الثّالث، الجزء الرّابِع، ص 341.
(2) الزمر 39: 3.
(3) سيبويه، الكتاب، ج 3، ص 143.
(4) البقرة 2: 83.
(5) العكبريّ، أبو البقاء عبد الله بن الحسين (ت 616 هـ) ، التّبيان في إعراب القرآن، تحقيق: عليّ محمَّد البجاوي، ط 2، دار الجيل، بيروت - لبنان، 1407 هـ - 1987 م، ج 1، ص 84.
(6) آل عمران 3: 6.
(7) السّيوطيّ، جلال الدّين عبد الرَّحْمن بن أبي بكر (ت 911 هـ) ، الأشباه والنَّظائر في النَّحو، تَحقيق: عَبْدُ العال سالِم مكرّم، ط 1، مُؤَسَّسَةُ الرِّسالة - بَيْروت، 1406 هـ - 1985 م، ج 2، ص 154.
(8) هود 11: 25.
(9) السَّجدة 32: 12.
(10) الزَّرْكَشِيّ، بدر الدّين محمَّد بن عبد الله (ت 794 هـ) ، البرهان في علوم القرآن، تحقيق: محمَّد أبو الفضل إبراهيم، ط 2، المكتبة العصريَّة، صيدا - بيروت، ج 3، ص 197.