تَرَدُّدُ المَقولِ [1] بينَ"الحِكايةِ"و"الإخبار"في القُرْآنِ الكَريم
مَلحوظاتٌ وتَعْليقاتٌ تَمْهيدِيَّة، على نقلِ الكلامِ في العربيَّة
د. عمر يوسف عكاشة
يَذهَبُ سيبويه في باب (الأفعال التي تُستَعْمَلُ وتُلغى) إلى أنَّ (قُلتُ) "إنَّما وَقَعَت في كلامِ العربِ على أنْ يُحكى بها، وإنَّما تَحكي بعدَ القولِ ما كانَ كلامًا لا قولًا، نحو: (قُلتُ: زيدٌ منطلِقٌ) ، لأنَّهُ يَحسُنُ أنْ تقولَ: (زيدٌ منطلِقٌ) ولا تَدخُلُ (قُلتُ) . وما لم يَكُنْ هكذا أُسقِطَ القولُ عنهُ" [2] .
قد يَكونُ مِن السهلِ أَنْ نستصفِيَ مِن كلامِ سيبويه، أنَّكَ إذا انتويتَ توظيفَ (قلتُ) ، وكذا جميع ما تَصَرَّفَ مِن فعلِهِ [3] نحوَ: (قالَ/قالا/قالوا، قالَتْ/قالَتا/قُلْنَ، قُلْتَ/قُلْتُما/قُلْتُم، قُلْتِ/قُلْتَما/قُلْتُنَّ، قُلْتُ/قُلْنا، يَقولُ/يقولانِ/يقولونَ ... ) ، فإِنَّ مِن الواجِبِ أنْ تأتيَ بعدَ لفظِ فعلِ القولِ بكلامٍ، أي تامٍّ [4] .
وَتُرشِدُنا مادَّة (حكي) في المعاجمِ -على نَحوٍ جَلِيٍّ- إلى أنَّ الحكايةَ، أوالمحاكاةَ، مُنْبَنِيَةٌ على المطابَقةِ في إطارِ القولِ أو الفِعْل. فأنتَ تَقولُ:"حَكَيْتُ فُلانًا وحاكَيْتُهُ"، بمعنى:"فَعَلْتُ مثلَ فِعْلِهِ أو قُلْتُ مثلَ قولِهِ سواءً لم أُجاوِزْهُ، وحَكَيْتُ عنه الحديثَ حِكايةً" [5] .
وبِناءً على هذا، قد يَكونُ صوابًا القولُ: إِنَّ مقصدَ سيبويهِ مِن قالتِهِ تلك، هو أنَّ الفعلَ (قالَ) الأصلُ فيهِ أنْ لا يَقَعَ في كلامِ العرب إلا عندَ إرادةِ نقلِ الكلامِ نقلًا"حِكائِيًّا"، أيْ على الوجهِ الذي بهِ صَدَرَ مِن مُنْتِجِهِ الأوَّلِ. فليس لك بعدَ (قالَ) أو (قُلْتُ) -والكلامُ على الأصلِ- إلا أنْ تَحْكيَ الكلامَ، أيْ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ على النحوِ الذي بهِ أطلَقَهُ مرسِلُهُ الأصليّ، الذي هو"المَنقولُ عنه أو المَنقولُ مِنهُ". بطريقةٍ أُخرى: ليسَ لك مِن الأمرِ -إِنْ كُنْتَ أَنْتَ النّاقِلَ- سِوى أنْ تَذْكُرَ فعلَ القولِ مُسْنَدًا إلى القائِلِ المَنقولِ مِنهُ الكلامُ، ثم تورِدَ بعدَهُ كلامًا هو -بطبيعةِ الحالِ- مِن ألفاظِ غيرِكَ. ولعلَّ مِمّا يُعزِّزُ هذا الفهمَ، ما أَوْرَدَهُ سيبويهِ نفسُهُ في موضِعٍ آخَرَ حينَما قالَ:
(1) إِنَّما سَمَّيْتُ الكَلامَ مَقولًا لا قَوْلًا عَلى الأَصْلِ. قالَ ابنُ هِشام:"وَأَمّا تَسْمِيَةُ النَّحْوِيّينَ الكَلامَ قَوْلًا فَكَتَسْمِيَتِهِمْ إِيّاهُ لَفْظًا، وَإِنَّما الحَقيقَةُ أَنَّهُ مَقولٌ وَمَلْفوظ". ابن هشام، جمال الدّين الأنصاريّ (ت 761 هـ) ، مغني اللبيب عن كتب الأَعاريب، حَقَّقَهُ وعَلَّقَ عليهِ: مازن المُبارك ومحمَّد علي حمد الله، راجَعَهُ: سعيد الأفغانيّ، ط 6، دار الفكر، بيروت، 1985: ص 539).
(2) سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان (ت 180 هـ) ، الكِتاب، تحقيق وشرح: عبد السَّلام محمَّد هارون، ط 1، دار الجيل - بيروت، 1411 هـ - 1991 م، ج 1، ص 122.
(3) السّابِق نفسه.
(4) على اعتبارِ أَنَّ الكلامَ -فيما يَذْكُرُ ابنُ جنّيّ-"كُلُّ لفظٍ مستقلٍّ بنفسِهِ، مفيدٍ لمعناهُ. وهو الذي يُسَمّيهِ النَّحويّونَ الجُمَلَ ... وَأَمّا القول فأصلُهُ أَنَّهُ كُلُّ لفظٍ مَذِلَ بِهِ اللسانُ تامًّا كانَ أو ناقِصًا ... فكلُّ كَلامٍ قَوْلٌ، وَليس كلُّ قولٍ كَلاما" (ابن جنّيّ، أبو الفتح عثمان(ت 392 هـ) ، الخصائص، تَحقيق: محمَّد علي النَّجّار، ط 4، دار الشُّؤون الثقافيَّة العامَّة - بغداد، 1990 م، الخصائص، ج 1، ص 18).
(5) ابن منظور، أبو الفضل جمال الدّين محمَّد بن مكرم (ت 711 هـ) ، لسان العرب، ط 1، دار صادر - بيروت، 1410 هـ - 1990 م: (حكي) .