"فَ (قالَ) لا تُغَيِّرُ الكلامَ عن حالِهِ قبلَ أَنْ تَكونَ فيه (قالَ) " [1] ، وما قَرَّرَهُ ابنُ السرّاجِ في قولِهِ:"والحِكايَةُ لا تُغَيِّرُ الكلامَ عَمّا كانَ عليهِ" [2] .
وَالجديرُ ذِكرُهُ أَنَّ النحاةَ العربَ أَفْرَدوا للحكايةِ بابًا، يُفهَمُ مِنهُ أنَّهُم يَعْنونَ بالحكايةِ"إيراد اللفظ المسموع على هيئتِهِ مِن غيرِ تغييرٍ فيهِ، أو إيراد صفتِهِ" [3] . ويبدو أنَّ الحكايةَ عندَهم تَضْرِبُ في مستويَيْنِ، المستوى الأوَّل: حكاية الجمل، وهي مختصَّةٌ بالقولِ، بدليلِ قولِ ابنِ هشامٍ:"حكايةُ الجمل مُطَّرِدةٌ بعدَ القولِ، نحو: {قالَ إنّي عَبْدُ اللهِ} [4] " [5] . وتنشعِبُ حكايةُ الجملِ إلى قسمين: حكاية اللفظ، وهو أنْ تحكيَ ما قالَ المتكلِّمُ الأوَّلُ بألفاظِهِ وترتيبها وهيئاتها، وإلا فهي حكاية المعنى.
وإذا أنعمتَ النظرَ فيما أرادوهُ مِن حكايةِ المعنى، وجدتَهُ لا يَتَفلَّتُ في الحقيقةِ مِن إسارِ حكايةِ اللفظِ. ذاكَ أنَّهُم نَصّوا على نوعين لحكايةِ الجملة على المعنى، يلتزِمُ الناقِلُ في كليهِما بأنْ يأتيَ بألفاظِ المنقول مِنه لا يُغادِرُها، إلا أنَّهُ في أحدِ النوعينِ يَقومُ بتقديمِ بعضِ الألفاظِ وتأخيرِ بعضِها، فيما يَجيءُ الناقِلُ -طِبْقًا للنوع الثاني مِنْ حكايةِ الجملِ على المعنى عندهم- بكلامِ المنقولِ مِنه بألفاظِهِ وعلى ترتيبِها، ولكنَّهُ يُغَيِّرُ هذهِ المَرَّةَ في علاماتِ إعرابِها. ومِنْ أَجْلِ ذلك قد يَحِقُّ لنا إدخالُ هذين النوعينِ في زمرةِ حكايةِ اللفظ، ما دامَ الناقلُ -فيما هو مُنْكَشِفٌ- مُلتزِمًا بألفاظِ المنقولِ مِنه نفسِها، وإنْ غَيَّرَ مَرَّةً ترتيبَها، ومرَّةً علاماتِ إعرابِها.
وأمّا المستوى الثاني الذي تُطاوِلُهُ الحكايةُ في عُرْفِهِم، فهي حكايةُ المفردات. وهو أنَّهُ"إذا قالَ لك رجلٌ: (رأيتُ رجلًا) ، قلتَ: (أيًّا؟) ، وذلك أنَّكَ أَرَدتَ أنْ تَحكِيَ كلامَهُ. فإنْ قالَ: (جاءني رجلٌ) ، قلتَ: (أيّ؟) مَوقوفةً، فإنْ وَصَلْتَ قلتَ: (أيٌّ يا فَتى؟) ، لأنَّها مَرفوعةٌ كالذي استفهمتَ عنه. فإنْ قالَ: (مَرَرْتُ برجلٍ) ، قلتَ في الوقفِ: (أيّ؟) مَوقوف. كما تَقولُ في المَخفوضِ: (مَرَرْتُ بزيدٍ) ، فإنْ وَصَلتَ قلتَ: (أيٍّ يا فتى؟) " [6] .
وليسَ ثَمَّ شكٌّ في أنَّ حكايةَ المفرداتِ خارجَةٌ جملةً مِن حقلِ حكايةِ الكلامِ الذي نعنيهِ، ذاكَ الذي يَشمَلُ نقله مِن طَرَفٍ، هو المتكلِّمُ الأصليُّ المنقولُ مِنهُ، إلى طَرَفٍ ثانٍ، هو المنقولُ إليهِ أو المستمِع الثاني، وذلك بوساطة الناقِلِ أو المستمِع الأصليّ.
مُؤَدّى الكلامِ بعدَ ما سَلَفَ كلِّهِ، أنَّ كِفَّةَ الكلامِ لدى العربِ لا تَميلُ -وِفاقًا لما عليهِ الأمرُ في المُدَوَّنةِ النحويَّةِ الأولى- إِلى النمطِ الذي يَكونُ فيهِ مَقولُ القولِ ألفاظًا تُغايِرُ ألفاظَ المتكلِّمِ الأصليِّ المنقولِ مِنهُ.
"الحِكايَة"و"الإخْبار": هَلْ مِنْ سَبيلٍ إِلى الإِقْرار؟
وَإِنَّني لأَرى أنْ نُفيدَ مِمّا جاءَ عند سيبويهِ، وَغَيْرِهِ مِن السَّلَفِ، فَنَسوقَ اقتراحًا بإقرارِ مصطلح"الحكاية"، أو"حِكاية الكلام"، بديلًا لمفهومِ نقلِ الكلامِ نقلًا مباشَرًا، وهو ما يُقابِلُ في الإنجليزيَّةِ مصطلحَ Direct Speech.
(1) سيبويه، الكتاب، ج 3، ص 143.
(2) ابن السرّاج، أبو بكر محمَّد بن سهل (ت 316 هـ) ، الأُصول في النَّحْوِ، تَحقيق: عبد الحسين الفتلي، ط 4، مؤسَّسة الرِّسالة - بيروت، 1420 هـ - 1999 م، ج 1، ص 263.
(3) ابن هشام، جمال الدّين الأنصاريّ (ت 761 هـ) ، أوضح المسالك إلى ألفيَّة ابن مالك، ومَعَهُ كتاب: عُدَّةُ السالِك إِلى تَحقيقِ أوضحِ المَسالِك لمحمَّد مُحيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصريَّة: صيدا - بيروت، 1419 هـ - 1998، ج 4، ص 251، الهامش (1) .
(4) مريم 19: 30.
(5) ابن هشام، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، ج 4، ص 251.
(6) المبرّد، أبو العبّاس محمَّد بن يزيد (ت 285 هـ) ، المقتضب، تحقيق: حسن حمد، مُراجَعَة: إميل يَعقوب، ط 1، دار الكتب العلميَّة - بيروت، 1420 هـ - 1999 م، ج 1، ص 570.