الصفحة 16 من 39

- {وإذا رآكَ الذينَ كَفَروا إِنْ يَتَّخِذونَكَ إلا هُزُوًا أَهذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} [1] .

- {فأَمّا الذينَ اسْوَدَّتْ وُجوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بعدَ إيمانِكُمْ فَذوقوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرونَ} [2] .

- {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذينَ كَفَروا على النّارِ أَلَيْسَ هذا بالحَقِّ قالوا بلى وَرَبِّنا قالَ فَذوقوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرون} [3] .

- {وإِذْ أَخَذْنا ميثاقَكُمْ ورَفَعْنا فوقَكُمُ الطّورَ خُذوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ} [4] .

- {الَّذينَ يَذْكُرونَ اللهَ قِيامًا وَقُعودًا وَعَلى جُنوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرونَ في خَلْقِ السَّمواتِ وَالأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ} [5] .

وَذلِكَ نَحْوَ: {فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالوا: إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبينٌ. قالَ موسى: أتَقولونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ. أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السّاحِرونَ} [6] . واعلمْ أَنَّ"أَسِحْرٌ هذا"ليس يُمَثِّلُ مَقولًا لفعلِ القولِ (أَتَقولونَ) بِأَيِّ اعتِبارٍ، بَلْ هُوَ مَحْذوف [7] ، لأَنَّهُمْ ساعَةَ قالوا عن الحَقِّ ما قالوهُ لم يَكونوا سائِلينَ بل مُقَرِّرينَ، فما بعد (أَتَقولونَ) يَنْبَغي أَنْ يَكونَ خبرًا لا إنشاء، بدليلِ ما في الآيَةِ نَفْسِها:"قالوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبينٌ". إِذَنْ، فهُمْ لم يقولوا:"أَسِحرٌ هذا؟"، إِنَّما قالوا:"هذا سِحْرٌ". ثُمَّ استُؤْنِفَ الكلامُ، فَقيلَ لَهُمْ تَعَجُّبًا واستنكارًا:"أَسِحْرٌ هذا؟".

وَقَدْ جاءَ هذا الحَذْفُ -فيما أَحسبُ- لأَجْلِ أَلا يَتَّصِفَ الكلامُ بالتكرارِ المُسْتَثْقَل، إِذْ لو أُثْبِتَ مقولُ (أَتَقولونَ) المَحْذوفُ -عياذًا باللهِ مِن ذلك- لَتَأَدّى الأمرُ إِلى تَوالي (هذا سِحر / سحر هذا) ثلاثَ مَرّاتٍ، هكذا: فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالوا: (إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبينٌ. قالَ موسى: أتَقولونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ:"هذا سِحْرٌ"؟ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السّاحِرونَ؟) . ولأجلِ هذا أَرى أَنَّ مِن الواجِبِ -تَساوُقًا مَعَ المعنى- أَنْ يُتَوَقَّفَ في آخِرِ:"أَتَقولونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ"، وأَنْ يُنَغَّمَ تنغيمًا مُسْتَقِلاًّ يَنْمازُ مِن تنغيمِ الكلامِ الذي يَعْقِبُهُ:"أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السّاحِرونَ".

وهذا، أو ما هُوَ قريبٌ مِنْهُ، شاخِصٌ في كلامِنا اليَوْمَ، نَحْوَ أَنْ يَقولَ شخصٌ في حَقِّ شخصٍ آخَرَ كلامًا لا يُعجِبُ المَقولَ لَهُ، فينبري هذا لِيَرُدَّ على القائل:"أنا تَقولُ لي ..."، فيَتْرُكُ المَقولُ لَهُ إِعادةَ المَقولِ مُنَغِّمًا عبارَتَهُ هذه بما يوحي بانفتاحِها وعدم اكتمالِها. وقد كانَ هذا مِنهُ -رُبَّما- لأَحَدِ سَبَبَيْن، أَوْ لِكِلَيْهِما مُجْتَمِعَيْن: الأوَّل أَنَّ المَقولَ مَفْهومٌ حاضِرٌ في الأذهان لأَنَّهُ قيلَ في المَقامِ نفسِهِ، وليس ثَمَّ فاصِلٌ مِن زَمان أو مَكان. وأَمّا الثاني فهو أَنَّ المَقولَ لَهُ قد رَغِبَ عن تَكرارِ ما قيلَ في حَقِّهِ لأَنَّ فيهِ ما يسوؤُهُ.

ومهما يَكُن مِن أَمرٍ فَإِنَّ هذا الأسلوبَ، الذي يَتْرُكُ فيهِ المَقولُ لَهُ نَقْلَ المَقولِ كما صَدَرَ مِن القائِلِ، بالتَّزامُنِ مَعَ التنغيمِ المفتوح، لَمُفْهِمٌ بِأَنَّ الناقِلَ أو المَقولَ لَهُ مُعْتَرِضٌ على المَقولِ رافِضٌ إِيّاهُ بِشِدَّةٍ.

(1) الأنبياء 21: 36.

(2) آل عمران 3: 106.

(3) الأحقاف 46: 34.

(4) البقرة 2: 63.

(5) آل عمران 3: 191.

(6) يونس 10: 77.

(7) انظر: ابن عاشور، تفسير التّحرير والتّنوير المَعروف بتفسير ابن عاشور، ط 1، مؤسَّسة التّاريخ، بيروت، 1420 هـ- 2000 م، ج 11، ص 149.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت