الصفحة 14 من 39

أَوْ عَنْهُ، وَمُحَمَّدٌ مَنْقولًا إلَيْهِ، وَالقُرْآنُ الذي هُوَ كَلامُ اللهِ"قَوْلًا مَنْقولًا"، بَلْ"قَوْل رَسولٍ كَريم"، يَعْني جِبْريل حَسْبَ الوارِدِ في آياتِ"التَّكْوير":"إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسولٍ كَريمٍ. ذي قُوَّةٍ عِنْدَ ذي العَرْشِ مَكينٍ. مُطاعٍ ثَمَّ أَمينٍ ... وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجيمٍ".

وَعِنْدَما تَلَقَّفَ الرَّسولُ مُحَمَّدٌ القُرْآنَ الكَريمَ مِن جِبْريلَ، لِيَنْقُلَهُ بِدَوْرِهِ إِلى العالَمين، أَضْحى حَبيبُ الحَقِّ وَشَفيعُ الخَلْقِ مُحَمَّدٌ -نَفْسي لَهُ الفِداءُ- ناقِلًا ثانِيًا، وَأَضْحى القُرْآنُ تارَةً أُخْرى قَوْلَ رَسولٍ كَريمٍ -هُوَ الرَّسولُ مُحَمَّدٌ- مَنْقولًا إِلى النّاسِ، وهذا عينُ المَفْهومِ مِنْ آياتِ"الحاقَّة":"فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرونَ. وَما لا تُبْصِرونَ. إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسولٍ كَريمٍ. وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَليلًا ما تُؤْمِنونَ. وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَليلًا ما تَذَكَّرونَ".

وَبِذا فَإِنَّني -مَدْفوعًا بِدِلالَةِ (قالَ) عَلى النَّقْلِ الحِكائِيِّ حَسْبَ الأَصْلِ- لا أَفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ:"إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسولٍ كَريمٍ"سِوى أَنَّ الرَّسولَ الكَريمَ قامَ بِعَمَلِيَّةِ النَّقْلِ الحَرْفِيِّ المَضْبوطِ لِكَلامِ اللهِ، فَالقُرْآنُ"كَلامُ اللهِ"بِمَعْنى أَنَّ اللهَ مَصْدَرُهُ أَوْ مُصْدِرُهُ، وَهُوَ"قَوْلُ الرَّسولِ"بِمَعْنى أَنَّ الرَّسولَ ناقِلُهُ وَموصِلُهُ. وَلِفَرْطِ حَساسِيَّةِ دَوْرِ النّاقِلِ المُبَلِّغِ عَنْ رَبِّ العالَمينَ، وَدِقَّةِ ما يَقومُ بِهِ مِنْ عَمَلٍ أَمينٍ، عَمَلٍ يُعَدُّ أَساسِيًّا وَجَوْهَرِيًّا في إيصالِ الرِّسالَةِ وَنَشْرِها، اِرْتَضى اللهُ -تَعالى- تَشْريفَهُ بِنِسْبَةِ"قَوْلِ"القُرْآنِ لَه دونَ"الكَلامِ"، تَعْظيمًا لِدَوْرِ الرَّسولِ النّاقِل.

وَدَليلُ صِحَّةِ هذا التَّوَجُّهِ في الفَهْمِ، مِنْ جانِبٍ آخَرَ، أَنَّني إِذا نَقَلْتُ كَلامًا مِنْ غَيْري، فَاعْتَرَضَ شَخْصٌ مِن المُسْتَمِعينَ عَلى شَيْءٍ مِن الكَلامِ الذي أَنا بِسَبيلِ نَقْلِهِ، فَإِنَّني أُسارِعُ إِلى القَوْلِ: (أَنا أَقولُ كَلامَهُ فَقَط) ، أَيْ: أَنْقُلُهُ عَنْهُ دونَ تَغْييرٍ أَوْ تَحْريف. فهذا المَوْطِنُ يُبْرِزُ عالِيًا سَلامَةَ الزَّعْمِ بِأَنَّ القَوْلَ أَوْ مادَّة (قول) دالَّةٌ عَلى النَّقْلِ. وَالْحَظْ -رَعاكَ اللهُ- أَنَّهُ لَيْسَ يُمْكِنُكَ أَنْ تَعْكِسَ، فَإِذا صَحَّ: (أَنا أَقولُ كَلامَهُ فَقَط) ، فَإِنَّهُ لَيْسَ يَصِحُّ: (*أَنا أَتَكَلَّمُ قَوْلَهُ فَقَط) أَوْ: (*أَنا أَتَكَلَّمُ بِقَوْلِهِ فَقَط) . إِذْ نَحْنُ عِنْدَ النَّقْلِ نَقومُ بِقَوْلِ الكَلامِ، وَلا نَقومُ بِكَلامِ القَوْلِ أَوْ بِالتَّكَلُّمِ بِالقَوْلِ. وَعِنْدَ مُقابَلَةِ (أَنا أَقولُ كَلامَهُ) بِـ (أَنا أَنْقُلُ كَلامَهُ) ، تَسْتَبينُ لَكَ صِحَّةُ المُطابَقَةِ بَيْنَ"القَوْل"و"النَّقْل". أَعودُ لأَقولَ: لا غَرْوَ في ذلِكَ كلِّهِ، لأَنَّ فِعْلَ القَوْلِ (قالَ) -أَوْ ما تَصَرَّفَ مِنْهُ- هُوَ أَقْدَمُ وَسيلَةٍ أَوْجَدَتْها اللغَةُ قَصْدَ نَقْلِ الكَلامِ مِنْ طَرَفٍ إِلى آخَر، بَلْ مَرَّتْ عَلى اللغَةِ عُهودٌ لَمْ تَعْرِفْ غَيْرَ فِعْلِ القَوْلِ وَسيلَةً لِنَقْلِ الكَلام.

وَقَدْ تَعَرَّضَ العَلامَةُ"الرّازي"-يَرْحَمُهُ اللهُ- لِلْقَضِيَّةِ المَبْحوثَةِ هُنا بِسُؤالٍ طَرَحَه: كيف يَكون الكَلامُ الواحِدُ للهِ وَلِجبريل وَلِمحمَّد؟ وَأَجابَ بِما يُمْكِنُ أَنْ يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِشِدَّة حَيْثُ قالَ:"وَالجَوابُ أَنَّهُ يَكفي في صِدْقِ الإضافةِ أَدْنى سَبَب، فهو كَلام اللهِ -تَعالى-، بِمَعنى أَنَّهُ -تَعالى- هو الذي أظهره في اللوح المحفوظ، وهو الذي رتَّبه ونظَّمه، وهو كلامُ جبريل -عليه السَّلام-، بِمَعْنى أَنَّهُ هو الذي أنزلَهُ مِن السَّموات إِلى الأرض، وهو كلام محمَّد، بِمعنى أَنَّهُ هُوَ الذي أَظْهَرَهُ لِلْخَلْق ..." [1] . فَلا أَفْهَمُ كَيْفَ اسْتَساغَ"الرّازي"المُطابَقَةَ بَيْنَ"الكَلامِ"وَ"القَوْل"في سِياقِ الحَديثِ حَوْلَ قَضِيَّةٍ خَطيرَةِ الشَّأْنِ كَهذِهِ القَضِيَّة؟! وَلا أَدْري كَيْفَ قَوِيَ عَلى تَسْمِيَةِ القُرْآنِ بِـ"كَلام الله"وَ"كَلام جِبْريل"وَ"كَلام مُحَمَّد"، مَعَ أَنَّ اللهَ العَلِيَّ القَديرَ نَفْسَهُ لَمْ يُسَوِّ هاتيكَ التَّسْوِيَة، وَلَمْ يُسَمِّ تِلْكَ التَّسْمِيَة، بَلْ أَطْلَقَ مَوْلانا عَلى القُرْآنِ"كَلامًا"تارَةً حينَما قالَ:"كَلام الله" [2] ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ"قَوْلًا"حينَما قالَ:"قَوْل رَسولٍ كَريم" [3] !

مِنْ خَصائصِ القَوْلِ [4] وَالمَقولِ في القُرْآن: [5]

(1) الرّازي، التَّفْسير الكبير أَو مَفاتيح الغيب، ج 30، ص 103.

(2) في الآيَةِ السّادِسَةِ مِنْ سورَةِ التَّوْبَة.

(3) في آياتِ التَّكْويرِ وَالحاقَّة السّابِقِ ذِكْرُها.

(4) يُطْلَقُ"القَوْلُ"أَحْيانًا -في هذا البَحْثِ وَغَيْرِهِ- لِيُرادَ بِهِ اخْتِصارًا:"فِعْل القَوْل".

(5) اقتصرتُ على بعضِ الخَصائص، مِمّا يُمْكِنُ أَنْ يَكونَ كثيرَ الدَّوَران، أَو تَفَرَّدَ بِهِ البحثُ. وثَمَّةَ خَصائص أخرى، يَحْسُنُ الاطِّلاعُ عليها عند ابنِ هِشام: (مُغني اللبيب عن كتب الأعاريب: ص 542 - 543) . وَعِنْدَ"السّامرّائيّ". انظر: السّامرّائيّ، فاضل صالح، الجملة العربيَّة: تأليفها وأقسامها، ط 1، دار الفكر للطّباعة والنَّشر والتَّوزيع - عَمّان، 1422 - 2002: ص 206.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت