الصفحة 23 من 39

أَنّي مَغْلوبٌ فَانْتَصِرْ"، أَوْ:"فَدَعا رَبَّهُ قائِلًا: أَنّي مَغْلوبٌ فَانْتَصِرْ"، وهذا مِمّا لا يُصَوِّبُهُ أَيُّ أَحَدٍ مِنْ أَصْحابِ الطَّرْحِ الكلاسيكِيِّ في النَّحْو."

وَيَقْرُبُ مِنْ ذلِكَ أَنْ يَكونَ الفِعْلُ الذي بِمَعْنى القَوْلِ دونَ حُروفِهِ مَتْبوعًا بِالأَداةِ (أَنْ) يَتْلوها المَقول، كَقَوْلِهِ: {وَأَوْحَيْنا إِلى موسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ} [1] . إِذْ يَتَعَذَّرُ في مِثْلِ هذِهِ الحالِ تَقْديرُ القَوْلِ قَبْلَ (أَنْ) [2] ، فَلا يُقال: (* قُلْنا لَهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَر) [3] .

أَقولُ: لَوْ كانَ صَحيحًا أَنَّ الحِكايَةَ التي تَتْلو ما فيهِ مَعْنى القَوْلِ إِنَّما هِيَ بِقَوْلٍ مَحْذوفٍ، لَوَجَبَ -قِياسًا سَوِيًّا عَلى هذا- أَنْ يَكونَ الكَلامُ المُخْبَرُ إِخْبارًا (غير المُباشَر) ، الذي يَلي ما فيهِ مَعْنى القَوْلِ كذلِك، عَلى تَقْديرِ قَوْلٍ مَحْذوفٍ هُوَ الآخَر، وَلا فَرْق. فَيَكون تقْديرُ فِعْلٍ لِلْقَوْلِ بَعْدَ (يُقْسِمُ) في قَوْلِ مَوْلانا: {ويَوْمَ تَقومُ الساعةُ يُقْسِمُ المُجْرِمونَ ما لَبِثوا غيرَ ساعةٍ} [4] ، موقِعًا الكَلامَ عَلى نَحْوٍ مُنافٍ لِما ذَهَبَ إِلَيْهِ سيبَوَيْهِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ (قُلْتُ) "إِنَّما وَقَعَتْ في كَلامِ العَرَبِ عَلى أَنْ يُحْكى بِها". ذلِكَ أَنَّكَ إِنْ قَدَّرْتَ (يَقول) في الآيَةِ فَقُلْتَ -مَثَلًا-: (ويَوْمَ تَقومُ الساعةُ يُقْسِمُ المُجْرِمونَ فَيَقولونَ: ما لَبِثوا غيرَ ساعةٍ) ، لَكانَ فِعْلُ القَوْلِ ناقِلًا كَلامًا مِنْ غَيْرِ الحِكايَةِ عَلى ما اشْتَرَطَ سيبَوَيْهِ. فَمَقولُ القَوْلِ: (ما لَبِثوا غيرَ ساعةٍ) لا يُمَثِّلُ المَنْطوقَ الأَصْلِيَّ لِلْمُجْرِمين، فَهُوَ لَيْسَ حِكايَةً لِكَلامِهِمْ، بَلْ هُوَ مُتَصَرَّفٌ فيهِ، وَالأَصْلُ أَنْ يَأْتوا في قَسَمِهِمْ بِكَلامٍ مِنْ مِثْلِ: (ما لَبِثْنا غَيْرَ ساعَةٍ) [5] .

أَيَكونُ فعلُ القولِ (قالَ) لِما نُقِلَ مِن الكلامِ إِخبارًا في الكتابِ العزيزِ؟

نُحاوِلُ، تالِيًا، مُحاوَلَةً نَمْتَحِنُ فيها آياتٍ ثَلاثًا مُتَفَرِّقاتٍ، بَدا لنا لِلْوَهْلَةِ الأولى أَنَّ تَراكيبَها -دونَ غَيْرِها- تَشي بأَنَّ الفعلَ (قالَ) يُمكِنُ أَنْ يَكونَ فيها للكلامِ المَنقولِ بالمعنى والمَضمونِ (الإِخْبار) ، وَهُوَ الأَمْرُ الذي سَنَعْمَلُ -بِعَوْنِ اللهِ- عَلى نَفْيِهِ وَدَفْعِهِ:

1 -أمّا الآيةُ الأولى فقولُهُ -علا وتَجَبَّرَ-: {قالوا تَقاسَموا باللهِ لنُبيِّتَنَّهُ وأهلَهُ ثمَّ لنقولَنَّ لوليِّهِ: ما شهِدْنا مَهلِكَ أهلِهِ وإنا لَصادِقونَ} [6] . الكلامُ هنا في قومِ النبيِّ صالحٍ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- [7] ، حينَما أَمَر بعضُهُم بعضًا بأَنْ يَتَحالَفوا باللهِ أنْ يَقتُلوا صالِحًا ورهطَهُ ليلًا، ثمَّ يَقولوا لوليِّهِ: لا نَدري مَن قَتَلَهُمْ. والقياسُ أنْ يأتيَ هذا بصيغةِ الحِكايةِ، هكذا:"ثُمَّ لنقولن لوليّه: ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهلِكَ"أَيُّها الوليُّ، يا وليَّ صالح وأهلِهِ. ولكنّه لم يكن كذلك، كَراهةَ احتوائه على توقيعٍ موسيقيّ للكلِمِ، يَسِمُهُ بِتَتابُعٍ للأمثالِ ثَقيلٍ تَنفُرُ مِنهُ الأسماع، وتفِرُّ مِنهُ الطِّباع. يتمثَّلُ ذلكم في أَنَّ الكلامَ المَعْدولَ عنهُ، وهو"ما شهدنا مهلِكَ أهلِكَ"، يَحوي كلمتينِ متواليتينِ مُتَّفِقتيْنِ في الإيقاع

(1) الأعراف 7: 160.

(2) وهذه الحال تَخْتَلِفُ عَنْ مَجيءِ فِعْلِ القَوْلِ (قالَ) بَعْدَهُ (أَنْ) بَعْدَها (فِعْلٌ مُضارِع) ، مِثْل: (قُلْ لَهُمْ أَنْ يَحْضُروا) ، لأَنَّ القَوْلَ ... هُنا عَلى مَعْنى الطَّلَب، أَيْ: اطلُبْ إِلَيْهِمْ أَنْ يَحْضُروا.

(3) الحَقُّ أَنَّ (فاضل صالح السّامرّائيّ) صَرَّحَ بِأنَّه"لا تأتي (أَنْ) هذه وَلا (أَنَّ) المفتوحة الهمزةِ مع القولِ، فَلا يُقال: أَقول لَهُ أَن اذْهَبْ، وَلا أَقول لَكَ أَنَّكَ ذاهِبٌ بِفَتْحِ الهَمْزَة" (السّامرّائيّ، الجملة العربيَّة: تأليفها وأقسامها، ص 212) ، غَيْرَ أَنَّهُ خَرَجَ مِن مأزقِ الفعل الذي بِمَعْنى القَوْلِ المَتْلُوِّ بِـ (أَنْ) أَوْ (أَنَّ) ، بِأَنْ عَدَّهُ اسْتِعْمالًا مُخْتَلِفًا يَأْتي ضِمْنَ ثلاثَةِ استِعْمالاتٍ يَأْتي وِفاقًا لَها ما فيهِ مَعْنى القَوْلِ!! (انظر: السّامرّائيّ، الجملة العربيَّة: تأليفها وأقسامها، ص 211 - 212) .

(4) الرّوم 30: 55.

(5) وَأَكْثَرُ مِنْ هذا أَنَّ تَقْديرَ فِعْلِ القَوْلِ (قالَ - يَقولُ) في الآيَةِ يَصْطَدِمُ بِما سَيُحاوِلُ البَحْثُ إِثْباتَهُ تالِيًا، مِنْ أَنَّ القَوْلَ في القُرْآنِ العَظيمِ لا يَتَسَلَّطُ إِلا عَلى ما كانَ كَلامًا مَحْكِيًّا حِكايَةً.

(6) النَّمل 27: 49.

(7) انظر: ابن عاشور، تفسير التَّحرير والتَّنوير المَعْروف بتفسير ابن عاشور، ج 19، ص 274 - 175 ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت