بنفسِهِ قَبْلَ المُخاطَبِ، كانَ المُخاطَبُ الذي هو أَقْرَبُ مِن الغائِبِ أَوْلى بِأَنْ يُبْدَأَ بِهِ مِن الغائِبِ" [1] . وتتأَكَّدُ أَهَمِّيَّةُ هذا الترتيبِ الذي يُناسِبُ دَرَجَةَ تَقارُبِ الأَشْخاصِ في الحَدَثِ اللغويِّ، أَنَّهُ"يَصْعُبُ أَنْ نَعْثُرَ في العربيَّةِ على تَراكيبَ مِنْ بابِ (المَلِكُ وأَنا، أو زيدٌ وأَنتَ، أَو أَنتَ وأَنا ... ) ، وإِنَّما نعثُرُ عليها (أَنا والمَلِك، وأَنتَ وزيدٌ، وأَنا وأنتَ) " [2] ."
الحِكايَةُ بِالقَوْلِ:
مِن الثّابِتِ أَنَّ الكَلامَ المَنْقولَ في القُرْآنِ -شَأْنُهُ شَأْنُ كُلِّ كَلامٍ مَنْقول- إِمّا أَنْ يَكونَ مَنْقولًا نَقْلًا حِكائِيًّا حَرْفِيًّا (مُباشَرًا) ، أَوْ نَقْلًا إِخْباريًّا مُتَصَرَّفًا فيهِ (غَيْرَ مُباشَرٍ) . فَأَمّا الكَلامُ المَنْقولُ حِكايَةً في القُرْآنِ، فَقَدْ يَأْتِي نَقْلُهُ مُعْتَمِدًا عَلى فِعْلِ القَوْلِ الرَّئيسِ المُتَضَمِّنِ القَوْلَ لَفْظًا وَمَعْنىً: (قالَ) ، أَو ما رادَفَ القَوْلَ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ، كَـ: (نادى) ، وَ (أَوْحى) .
وَمجيءُ (قالَ) -أَوْ ما تَصَرَّفَ مِنْهُ- بِحُسْبانِهِ فعلًا ناقِلًا الكلامَ نقلًا حرفِيًّا في القرآنِ العظيم، كثيرٌ كثرةً طاغيةً. ومَن يَتَتَبَّعْ هذا الأمرَ، يوشِكْ أَنْ يَسْتَيْقِنَ استحالةَ مجيءِ (قالَ) لغيرِ هذه الوجهةِ الكلاميَّةِ، أعني نقلَهُ الكلامَ بالتزامِ ألفاظِ المنقولِ منه التزامًا حرفيًّا دقيقًا. وَيْمْكِنُ أَنْ يُمَثَّلَ لِهذا بِقَوْلِ اللهِ: {يَقولُ الذينَ اسْتُضْعِفوا لِلَّذينَ اسْتَكْبَروا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنين. قالَ الذينَ استَكْبَروا لِلَّذينَ اسْتُضْعِفوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمينَ. وقالَ الذينَ اسْتُضْعِفوا لِلَّذينَ اسْتَكْبَروا بَلْ مَكْرُ الليلِ وَالنَّهارِ إذْ تَأْمُرونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا ... } [3] .
وَمَنْ يَتَدَبَّر القُرْآنَ العَظيمَ يَجِدْ أَنَّ فيهِ حِرْصًا، أَشَدَّ ما يَكونُ الحِرْصُ، عَلى نَقْلِ الكَلامِ بِحِكايَتِهِ. وَما هذا، في ظَنّي، إِلا لأَنَّ نَقْلَ الكَلامِ بِحِكايَتِهِ -أَوَّلًا- يُمَثِّلُ الأَصْلَ، أَو قُلْ الصّورَةَ الأَصْلِيَّةَ لأَيِّ عَمَلِيَّةٍ يُبْتَغى نَقْلُ الكَلامِ فيها. ثُمَّ هُوَ -ثانِيًا- أَقْرَبُ إِلى الدِّقَّةِ وَأَمانَةِ النَّقْلِ، لِبُعْدِ ذاتِ شُقَّتِهِ عَن التَّغْييرِ وَالتَّحْريفِ وَالتَّبْديلِ وَالزِّيادَةِ وَالنُّقْصان -فيما توحيهِ طَبيعَةُ الأُسْلوبِ عَلى الأَقَلِّ-.
عَلامَةُ ذلِكَ الحِرْصِ أَنَّ القرآنَ الكريمَ يَنْقُلُ لَنا فِعْلَ الأَمْرِ بِإيرادِهِ الفعلَ (قالَ) ثمَّ التَّثْنِيَةِ بفعلِ الأمر، كقولِهِ: {قالَ: ادخُلوا في أُمَمٍ قد خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ} [4] ، و: {وقالت: اخرُجْ عَلَيْهِنَّ} [5] ، و: {وَإِذا قيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلى الرَّسولِ} [6] . وَكانَ يُمْكِن أَنْ يُنْقَلَ هذا مُتَصَرَّفًا فيهِ بِوَساطَةِ الإِخْبارِ، فَيَأْتِيَ الكلامُ الشريفُ على إيقاع: (أَمَرَهُمْ بِالدُّخول) أو: (أَمَرَهُمْ بأنْ يدخلوا) في الآيةِ الأولى، و (أَمَرَتْهُ بالخُروجِ عليهِنَّ) في الثانيةِ، وَ (إِذا أُمِروا بِالمَجيءِ ... ) في الآيةِ الثالثةِ. وَهذا يُعَزِّزُ كثيرًا وَجاهَةَ طَرْحِ بَعْضِ النُّحاةِ، مِنْ أنَّ الأصلَ في (قُلْتُ) أنْ يُحكى بها ما كانَ كلامًا.
(1) سيبويه، الكتاب، ج 2، ص 364.
(2) محمد ربّاع،"أَثَرُ الأَعْرافِ الاجتماعيَّة في مسيرة العربيَّة"، البلقاء للبحوث والدِّراسات - عمادة الدِّراسات العليا والبحث العلميّ في جامعة عمّان الأهليَّة، المجلَّد (11) ، العدد (1) ، رمضان 1426 / أكتوبر 2005، ص 13 - 56.
(3) سبأ 34: 31 - 33.
(4) الأعراف 7: 38.
(5) يوسف 12: 31.
(6) المائدة 5: 104.