الصفحة 19 من 39

وهذا الأسلوبُ، الذي يُتَحَدَّثُ فيهِ عَن (هُوَ) وَهُوَ حاضِر، أَوْ عن الغائبِ الحاضرِ، أَوْ عَن الحاضِرِ بِصيغَةِ الغِيابِ، أسلوبٌ شائعٌ في اللغاتِ الإنسانيَّةِ [1] ، وهو عَيْنُ ما يُسَمّى في نَحْوِ اللغاتِ الأوروبيَّة بضَّميرِ الشخصِ الثالثِ 3 rd person pronoun. وإخالُ أَنَّها تَسْمِيَةٌ أَدَقُّ مِن"ضميرِ الغائب"، ذلك أَنَّ المُتَحَدَّثَ عنهُ، وإنْ كانَ غائبًا عن الخطاب في الجملةِ، فإنَّهُ ليسَ مِن الضروريِّ أنْ يَكونَ غائبًا عن المَقام الذي تُنشأُ فيهِ الجملة.

وفي هذا الشأنِ قالَ"سمير استيتيَّة":"ليست تسميةُ النوعِ الثالث بضمائر الغيبة تسميةً مُوَفَّقةً، بل هي إلى عَدَمِ دِقَّةِ النظر وسلامة الحُكمِ أقرب. فإنَّ ما سَمَّوْهُ ضميرَ غيبةٍ هو في الحقيقةِ عُدولٌ، أو التِفاتٌ عن الخطاب بقسميهِ المتكلِّمِ والمُخاطَب. ويُؤَيِّدُ هذا الفَهْمَ أَنَّكَ تَستَعْمِلُ الضَّمائِرَ (هو، وهي، وهما، وهم، وهنَّ) في سياقِ الحديثِ عَمَّن كانَ حاضِرًا، مِن غيرِ أَنْ يَكونَ خطابُكَ مُوَجَّهًا إليهِ. فإذا كانَ ثلاثة أشخاصٍ مُجتمِعينَ، وكانَ التَّخاطُبُ بين اثنين أَشارَ المتكلِّمُ إلى الثالِثِ بضميرِ الالتفاتِ (هو) ، مِن غيرِ أَنْ يَكونَ للغيبةِ أيُّ معنى، لا على سبيلِ الحقيقةِ، ولا مِن باب المَجاز ... ومِن هنا، فإِنّي أُفضِّلُ تسمية ما سَمَّوْهُ ضميرَ الغيبة بضميرِ الالتفات" [2] .

وإذا كنتُ أَتَّفِقُ مع"استيتيَّة"في أَنَّ تسمية الضمائر السابقة بضمائر الغيبة تسمية ليست دقيقةً، إلا أَّنَّ ذلك لا يُسَوِّغُ القولَ بأنْ لا معنى للغيبة فيها"لا على سبيلِ الحقيقةِ، ولا مِن باب المَجاز". ذلك أَنَّ مُرادَ"استيتية"من الالتفات قد يقترِبُ -هَوْنًا- مِن مفهومِ الغيبة، فإذا كانَ ضميرُ الغيبةِ عنده التفاتًا أو عُدولًا عن المتكلِّم والمخاطَب [3] ، فإنَّ الغيبةَ المعنيَّةَ أو المَفْهومة مِن ضميرِ الغيبةِ ليست سِوى غيبةِ وجودٍ أو حُضورٍ عن الحدثِ الكلاميِّ، إذ إنَّهُ ليسَ ركنًا مِنْ أركانِ الحَدَثِ الكلاميِّ. بل المَعلومُ أَنَّ ضميري التكلُّمِ والخطاب"ركنانِ أساسيّانِ في تَكوينِ الحَدَثِ الكلاميِّ" [4] ، فأنت مُحتاجٌ في أيِّ رسالةٍ لغويَّةٍ إلى مُرسِلٍ هو المتكلِّمُ المخاطِبُ (أو الطرفُ الأوَّلُ) ، ومُستقبِلٍ مُرسَلٍ إليهِ هو المخاطَبُ (أو الطرفُ الثاني) . وليس ثمَّةَ حاجةٌ إطلاقًا إلى الطرفِ"الثالث" (الغائب) لإنشاء الرسالةِ وإتمامِها. فبهذا القدر تُفهَمُ الغَيْبَةُ في ضمائر الغيبة، فهي غيبة عن الحدثِ الكلاميِّ وليست غيبةً عن المكان الذي يَتِمُّ فيهِ.

وبطريقةٍ أخرى يمكِن القول:"الكلام مِن طبيعتِهِ وجوهرِهِ، أَنَّهُ كلامُ متكلِّم، فـ (أَنا) المتكلِّم أصلُ كلِّ كلامٍ، ومَنبعه وأقدَم مِنه. والمتكلِّمُ لا يُكلِّمُ نفسَهُ في الأصلِ، بل مُخاطَبًا، فـ (أَنت) المُخاطَب أصلٌ ثانٍ، ومنبع للكلامِ أقدم مِنهُ أيضًا" [5] . ولهذا يُسَمّى ضمير التكلُّم، في الإنجليزيَّة وغيرِها، ضَميرَ الشَّخْصِ الأوَّلِ 1 st person pronoun. فيما يُسَمّى ضميرُ الخطابِ ضميرَ الشَّخْصِِ الثاني 2 nd person pronoun.

وقد يُعينُ على تَبَيُّنِ فلسفةِ النحاةِ في تسميةِ الغائِبِ عن الحَدَثِ الكَلامِيِّ غائِبًا قولُ سيبويه:"وإِنَّما كانَ المُخاطَبُ أَوْلى بِأَنْ يُبْدَأَ بِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ المُخاطَبَ أَقْرَبُ إِلى المُتَكَلِّمِ مِن الغائِبِ، فَكَما كانَ المُتَكَلِّمُ أَوْلى بِأَنْ يَبْدَأَ"

(1) استيتيَّة، سمير شريف، اللسانيّات: المَجال والوظيفة والمنهج، ط 1، عالم الكتب الحديث للنَّشر والتَّوزيع، إربد - الأردنّ، 1425 هـ - 2005 م: ص 115.

(2) السّابق نفسه.

(3) انظر السّابق نفسه.

(4) انظر: أبو موسى، محمود حمّاد، الضمير وأثره في بناء الجملة العربيَّة وتركيبها، رسالة ماجستير مخطوطة، إشراف: سمير شريف استيتيَّة، جامعة اليرموك، آب 1995: ص 41.

(5) برجشتراسر، التطوُّر النحويّ للغة العربيَّة: 79 - 80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت