أُريدُ لأُبَيِّنَ -عَلى نَحْوٍ آخَرَ- أَنَّ مَدْخولَ اللامِ في هذه الحال، رَغْمَ أَنَّهُ ليسَ مَقولًا لَهُ، بل مَقولًا عنهُ، إِلا أَنَّهُ ضَمَّهُ والقائِلَ مَجلِسٌ واحِدٌ، فَشَهِدَ الكلامَ الذي قيلَ في حقِّهِ وشأنِهِ. أمارةُ ذلك آيتا الأعرافِ السابقتانِ الثامنةُ والثلاثونَ والتاسعةُ والثلاثونَ. فقد تَقَرَّرَ أَنَّ (قالَ لِ) تأتي بِمعنى (قالَ عن) في الآيةِ (38) :"قالت أُخْراهُم لأولاهُمْ"، ولم يَكُنْ هذا لِيَصِحَّ -في ظَنّي- لولا أَنَّ (أولاهُمْ) قد كانت في المقامِ الذي أَطْلَقَتْ فيهِ (أُخْراهُمْ) كلامَها عنها. وهذا مُؤَيَّدٌ بِدَليلَيْنِ: الأوَّلُ وارِدٌ في الآيةِ (38) ، وهو اسم الإشارةِ (هؤلاء) الذي استخدمَتْهُ الطائِفةُ الأخيرةُ للإيماءِ إِلى الطائِفةِ الأولى. وأَمّا الدَّليلُ الآخَرُ فجاءَ تالِيًا في الآيةِ (39) ، حيثُ وجَدْنا (أولاهُمْ) تَرُدُّ على (أُخراهُمْ) ، وما كانَ لِيَكونَ هذا إلا بَعْدَ سماعِ (أولاهُمْ) مَقالَةَ (أُخراهُمْ) .
وَلا يَخْرُجُ عَنْ هذا الفهمِ بِأَيِّ مِقْدارٍ قَوْلُهُ -تَعالَتْ صِفاتُهُ-:
- {أَلَمْ تَرَ إِلى الذينَ أوتوا نَصيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنونَ بِالجِبْتِ والطاغوتِ وَيَقولونَ لِلَّذينَ كَفَروا هؤلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذينَ آمَنوا سَبيلا} [1] .
- {ولا أقولُ لَكُمْ عِندي خَزائِنُ اللهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلا أَقولُ إِنّي مَلَكٌ ولا أَقولُ لِلذينَ تَزْدَري أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خيرًا اللهُ أَعْلَمُ بِما في أَنْفُسِهِمْ إِنّي إِذَنْ لَمِنَ الظالِمينَ} [2] .
- {أَلَمْ تَرَ إِلى الذينَ أوتوا نَصيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنونَ بِالجِبْتِ والطاغوتِ وَيَقولونَ لِلَّذينَ كَفَروا هؤلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذينَ آمَنوا سَبيلا} [3] .
- {الذينَ قالوا لإِخوانِهِم وَقَعَدوا [4] : لَوْ أَطاعونا ما قُتِلوا} [5] .
- {وقالَ الذين كفروا للذين آمنوا لو كانَ خيرًا ما سبقونا إليه. وَإِذْ لَمْ يَهْتَدوا بِهِ فَسَيَقولونَ هذا إِفْكٌ قَديمٌ} [6] .
وقد بَدا لي أَنَّ الإِمامَ الرازي -تَوَلّى اللهُ مُكافَأَتَهُ- قد اسْتَشْعَرَ شيئًا مِن عميقِ الفهمِ وَعَظيمِهِ، عندَما أَخَذَ الكلامَ في الآيةِ الأَخيرَةِ على المعهودِ مِن القولِ، فافتَرَضَ وجودَ ثلاثِ جماعاتٍ. قالَ:"وعندي فيهِ وجهٌ ثالثٌ [7] : وهو أَنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعوا أَنَّ جماعةً آمَنَتْ بِرَسولِ اللهِ -صَلّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ- خاطَبوا جَماعةً مِن المُؤْمِنينَ الحاضِرينَ، وقالوا لَهُمْ: لو كانَ هذا الدينُ خيرًا لَما سَبَقَنا إليهِ أولئِكَ الغائِبونَ الذينَ أَسْلَموا" [8] . ويَقْرُبُ مِن هذا رأيٌ غيرُ مَنسوبٍ أَوْرَدَهُ الألوسيُّ مُعْتَرِضًا عليهِ لأَنَّهُ خِلافُ الأَوْلى كما يَقول، مَضْمونُهُ أَنَّ الذينَ كَفَروا لَمّا سَمِعوا أَنَّ جَماعَةً آمَنَتْ، خاطَبوا جَماعَةً أُخرى مِن المُؤْمِنينَ،"أَيْ قالوا للذينَ آمَنوا: لو كانَ خيرًا ما سَبَقَنا إِلَيْهِ أولئِكَ الذينَ بَلَغَنا إيمانُهُم" [9] . مَوْطِنُ الاستِشْهادِ في هذا الرأيِ أَنَّ أصحابَهُ قد استشعروا هم أيضًا شيئًا مِن الحضورِ الفيزيائِيِّ المُتَعَيَّنِ للمَقولِ عنهُ بِطَريقةٍ ما، ولو مِن وجهٍ بعيدٍ.
(1) النساء 4: 51.
(2) هود 11: 31.
(3) النساء 4: 51.
(4) هذا على إرادة"قد"، والتّقدير: وقد قعدوا. أو على أنَّ العطفَ هو المراد، إذ التّقدير: الذين قالوا كذا وكذا وقعدوا.
(5) آل عمران 3: 168.
(6) الأحقاف 46: 11.
(7) الوجه الأوَّل: أن يكون الكلام على الخطاب ثم تحوَّلَ إلى الغيبة، والثّاني: أنَّ اللام لام أجل.
(8) الرّازيّ، التّفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، ج 28، ص 11.
(9) الألوسيّ، شهاب الدّين السَّيِّد محمود (ت 1270 هـ) ، روح المعاني في تفسيرِ القرآنِ العظيم والسَّبع المَثاني، إدارة الطِّباعة المنيريَّة، دار إحياء التّراث العربيّ - بيروت، ج 26، ص 14.